الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أثر القرآن في الصورة الأدبية ؟

10716 0 702


     لقد كانت معجزة نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتابـًا عربيـًا ، يقوم على الحجة والبيان ، ويخاطب العقل والوجدان ، ويزكي الفكر ويرقى به ، وينمي لدى الإنسان قدراته الذهنية ، ويربي لديه الخيال المتوهج ، والإحساس المرهف … فهو كتاب يعتمد على الكلمة ، ويعني باللفظة ، ويشيد بنيانه على التركيب الرصين والتعبير الرشيق .

    ونظر الناس إلى هذا الكتاب ، فإذا هم يرمقون السماء في علاها ، ويطالعون السيل هدارًا ، والبحر زخارًا ، فوقفوا أمامه مبهورين، ولسلطان بيانه مذعنين، قد تطامنت نفوسهم، وذل جبروتهم ، واهتز كبرياؤهم ، فشهدوا له شهادة الحق ، وأقر الأعداء له بالتفوق والسبق .
شهد الأنام بفضله حتى العدا والفضل ما شهدت به الأعـداء

    لقد كان نزول القرآن بعثـًا جديدًا اهتز له كل شيء ، تغيرت به قيم ، وصححت به مفاهيم ، وحيت بفضله لغات ، واندثرت أخر ، وكان فضل الله عظيمـًا على اللغة العربية ، حيث أنزل بلسانها القرآن ، فحفظت بحفظه ، ومجدت بمجده ، وشرفت بشرفه .( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ )(الشعراء 192 ـ 195) .

وقد يكون من نافلة القول: أن نقرر: أن القرآن أثرى اللغة التي نزل بها ، وعمقها وخصبها ، وجعل لها روافد وشرايين ، وشق لها قنوات وأخاديد ، فسارت فيها رشيقة سلسلة ، متينة زاخرة حافلة ، وهاهي لغتنا الغراء تتحدث عن نفسها على لسان شاعر النيل " حافظ إبراهيم " فتقول :
وَسِعْتُ كتاب الله لفظـًا وغايـة وما ضِقْتُ عن آي به وعظات

   ويأتي حديثنا عن " إعجاز القرآن في الصورة الأدبية " ليمثل ظاهرة أسلوبية جديدة ، تنزع إليها نفوس الباحثين ، ومن يهمهم هذا اللون في كتاب الله عز وجل .

والواقع أن الصورة الأدبية لها معنيان عند النقاد العرب :
الأول : أنها تعني المنهج وطريقة الأداء ، وتساوي بهذا المعنى ما نطلق عليه اسم الجنس الأدبي من قصيدة ومقالة وخطبة ورسالة .

الثاني : أن الصورة هي الشكل في النص الأدبي ، وتقابل المضمون الذي هو الفكرة أو المعنى ، وعلى هذا تكون الصورة شاملة للأسلوب وللخيال الذي يلون عاطفة الأديب ويصورها ، وعندئذٍ نقف في النص بين الشكل والمضمون ، فيجب على الأديب أن يوازن بينهما موازنة دقيقة، فلا يطغى أحدهما على الآخر ، فلا يطغى المضمون على الشكل ، وإلا خرج الكلام من باب الأدب إلى العلم ، ولا تغطى الصورة على المضمون ، وإلا كان الكلام أدبـًا لفظيـًا إنشائيـًا لا وزن له في باب الفكر ، بل في مجال الأدب أيضـًا .

وسوف نتحدث هنا عن تأثير القرآن في الصورة الأدبية بمعناها الأول الذي هو طريقة الأداء (وبالمعنى الثاني الذي هو الشكل أو النظم) .

أولاً : تأثير القرآن على الصورة الأدبية :
كانت الصورة الأدبية عند العرب الجاهليين قد انتهت إلى جنسين كبيرين هما : النثر ، والشعر ، فوقف النثر عند الخطبة والوصية والنصيحة ، والمثل والحكمة والمنافرة والمفاخرة ، وسجع الكهان والأسطورة والقصة ، ووقف الشعر عند القصيدة الغنائية بشكلها المألوف المعروف .

ولم يكن للنثر وفنونه وأجناسه في المجتمع العربي كبير حظ ، ولا عظيم شأن - كما كان للشعر - وكان أكثره ارتجالاً ، ليس فيه ثقافة واسعة ، ولا فكر مضيء ، فضلاً عن أن النثر لم يحفل به المجتمع الجاهلي احتفالاً يذكر ، ولم يوله عناية ، ولا أحله منزلة خاصة ، وفوق ذلك كله فقد النثر قيمته ، بفقدان أصوله قبل التدوين ، ولضياع أكثره ، لاعتماده على الذاكرة وحدها ، بعكس العشر لأنه مقيد والنثر مطلق !!

ومن هنا: بقيت القصيدة الغنائية وحدها (الشعر) أرفع صور الأدب في مجتمع الجاهليين ، وهو المجتمع الذي نزل فيه القرآن الكريم متحدثـًا إليه ، موجهـًا له ، وهذه القصيدة الغنائية قد مرت بأطوار عديدة من التهذيب الفني حتى انتهت إلى ما انتهت إليه ، من قصائد المعلقات المعروفة ذات الصبغة المتوازية العمودية .

وقد كانت لهذه القصيدة منزلتها وأهميتها في المجتمع العربي ، فهي حديث الناس وموضع اعتزازهم وتقديرهم وفخرهم ، وهي التي ينشدونها في مجالس لهوهم وجدهم ، وفي مسامراتهم وأنديتهم ، وفي أسواقهم وحروبهم وحلهم وترحالهم .

والشاعر عندما يكتبها ترتفع قيمته الاجتماعية في مجتمعه ، ويصبح له كل ألقاب الحمد والمجد والثناء ، وبلغ من أمر المعلقات : أن كتبت بماء الذهب ـ كما قيل ـ ثم علقت على أستار الكعبة .

ولقد نعرف أهمية المعلقات فهي التي وضعت كل الأصول الفنية للقصيدة العربية ، وهي التي تمثلت فيها البلاغة العربية بجميع خصائصها تمثلاً كاملاً ، وهي التي استنبطت منها أحكام اللغة العربية وقواعدها في بيانها ونحوها وصرفها وغير ذلك !!

وهي كذلك أمدتنا بالشاهد والمثل على كل شيء في لغتنا العربية ؛ ومن أجل ذلك كان ابن عباس يقول : إذا عز عليكم شيء من كتاب الله تعالى فالتمسوه في شعر العرب .

هذه القصائد الشعرية كانت أرفع صور الأدب في مجتمع الجاهلية ، فإذا أتينا لنقيسها بالصورة الأدبية ، بعد أن نفخ القرآن من روحه ولونها بلونه ومنحها من عطاءاته ألفيناها لا تعد شيئـًا مذكورًا ؛ لأن صورة أدبية جديدة كأنها قد خلقت خلقـًا واخترعت اختراعـًا ، وافترعت افتراعـًا!!! ولكن كيف ذلك ؟

لأول وهلة وجدنا أنفسنا أمام أشياء جديدة كل الجدة ، ففرقان وقرآن وآيات وسور ، أسماء جديدة لمسميات جديدة كذلك !!( وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ )(الإسراء/ 106) ،( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً)(الفرقان/1) ، ( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ )(الحجر/1) ،( سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا)(النور/1) .

ولم ينزل القرآن على النمط المألوف من كلام العرب ، فلم يتخذ شكل القصيدة الجاهلية نمطـًا له ، ولم يأت على أسلوب الخطابة ولا الوصية ولا المثل ولا الحكمة ولا المنافرة !!

ولكننا ـ في الوقت ذاته ـ نجد فيه القصة في أرفع أشكالها وأروع ظلالها ، ونجد فيه الخيال الرفيع في ألوان بديعة من التمثيل والتشبيه والمجاز والكتابة والاستعارة ، ونجد فيه البشارة والإنذار ، والوعد والوعيد ، ونجد أرفع الأوصاف وأجل الصور .

لم يكن القرآن شعرًا ولا سجعـًا ، ولا مزاوجة ، ولا نثرًا مرسلاً ، ولا خطابة ، ولكنه جاء على مذهب غير معهود عند العرب ، ومباين للمألوف من كلامهم ، يتصرف في وجوه مختلفة ، من ذكر قصص ومواعظ ، واحتجاج وحكم وأحكام ، وإعذار وإنذار ، ووعد ووعيد ، وأوصاف وتعليم ، وسير مأثورة ، ويتردد بين طرفي الإيجاز والإطناب ، كَلِمُه يضيء كما يضيء الفجر ، ويزخر كما يزخر البحر !!

وإن تعجب فعجب تصوير الحياة الإنسانية في القرآن ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، والنفس الإنسانية في سلمها وحربها ، ولهوها وجدها ، وأملها وألمها ، وكفرها وإيمانها ، وفي القرآن ـ كذلك ـ من سمو وصفاء الحكمة ، ومن الحجة الدامغة ، والروحانية الصافية ما يوقظ الضمائر ، ويحرك العقول ويثير النفوس !!

وما أروع القرآن في فواتحه وخواتيمه ومقاصده ، وفي حديثه عن المعاني الدقيقة ، والأفكار العميقة ، والأغراض النبيلة ، وفيما اشتمل عليه من دقة التصوير : وسمو التعبير وعظمة التأثير ، وروعة الإيجاز ، وسحر المجاز ، وبلاغة التكرار ، وفصاحة التعريض ، وبراعة الإشارة وفاعلية الإيماء .

إنه يصور نعيم المؤمنين ، فيدعك تشعر بالروح والسعادة ، السرور والحبور ، ثم يصور هلاك العاصين ، وشقاء الجاحدين ، وعذاب الكافرين ، فيجعل القلوب تكاد تنخلع، ويتركك حليف الهم والحزن ، دائم التفكر والاعتبار، والألم والأمل ، والخوف والرجاء .

ونجد في القرآن افتتاحات السور العجيبة ، مثل : ص ، ن ، ق ، طه ، طسم ، حم … ونجد الفواصل في السورة ، موقّعة الخُطا ، منغمة الحروف ، ونجد القصة والعبرة ، والموعظة والحكمة في قالب من الجمال والبهاء ، والجلال والرواء .

ونجد لكل سورة اسمـًا عجيبـًا : البقرة ، الرعد ، الطور ، المائدة ، الكهف ، يونس ، محمد ، النور ، الضحى ، الجمعة ، العصر … إلى غير ذلك ، ونجد لكل اسم من أسماء السور قصة ، ولكل قصة حدثـًا وعبرة .

     كل ذلك نمط مخالف لأنماط البيانيين عند الجاهليين، وصورة مباينة لصورة البلاغة لدى العرب الذين نزلت فيهم معجزة القرآن .

...............
" الوعي الإسلامي ":العدد : 365 .
التاريخ : 1417هـ الموافق يونيو 1996م .

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.

الأكثر مشاهدة اليوم

دراسات ومقالات

الضحك ..

عجب أو دهشة تعتري النفس نتيجة إدراك المفارقة في حال أو مقال أو صفة.. حتى إذا كانت تلك المفارقة مفتعلة أو مبتذلة كان الحاصل أنها - وإن دعي ضحكًا - سفهًا وخفة. وإن كان الإدراك عصيًا أو غير كامل لم يكن الواقع ضحكًا بل تضاحكًا..أما...المزيد