الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أبو خطوة

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:15/01/2002
  • التصنيف:فنون الأدب
  •  
1307 0 505

لأنه أصبح رجلا فقد جرب السهر خارج البيت ، التقي بأصدقائه فأوغلوا حتى اقتربت الساعة من الواحدة ، وعاد وهو منتش من التجربة يداعب لحية لما تنبت ، ويداري قلقا .. أفهذه البلد التي أعرفها وأحفظ طرقها وبيوتها وكأني بها غريبة على !
الأشجار على حافة النيل تتربص بي ، والرياح تمر رتيبة على سطح النيل فتحركه ، فأشعر برهبة تسري في جسدي .
أطل على صفحة الماء ، فأحس بقشعريرة تراوده بعدما طالع السواد البادي عليه ، وإذا بخاطر يقفز إلي رأسه فقال كأنه يدفعه عن نفسه : ما لي الآن بالست أم محمد كريمة ؟
والست كريمة امرأة عجوز كانت تجمعهم أيام الصبا قبيل المغرب عند رأس الشارع ، فتحكي لهم ما تجود به قريحتها الخصبة عن المارد صاحب العين المشقوقة والوجه الأسود الذي يسد الأفق فلا يملك الفتي منه فكاكا ؛ إن حاول هربا منه يمينا أو يسارا وجده أمامه.
وكانت تحدثهم عن جنية البحر " أم شوشة" ذات الرأس الكبير والوجه القبيح والشعر المنكوش ،وكيف أنها تستدرج الفتيان إلي البحر ليكلموها وقد ظهرت لهم في شكل جميل ؛ حتى إذا أفلحت في ذلك سحبتهم معها إلى جوف البحر .
كانوا يجلسون أمام (أم محمد كريمة) كل يوم في شغف لتقص عليهم قصصها التي لا تنتهي فيرعبون رعبا قد أدمنوه وآنسوه فيهرعون مساء اليوم التالي ، ليعاودوا الاستماع ، ولترتعد فرائصهم .. وكأنما أدمنوا الحكايات المغمسة بالروع !
لا يزال يذكر كيف أنه كان يقطع المسافة من أول الشارع إلي بيته – في منتصفه – في سرعة المرعوب ، حتى إذا خلا بسريره عاوده الرعب كابوسا يهزه ويحرمه النوم فلا ينقشع عنه إلا عند تنهد الصباح مع آذان الفجر ..
قال لنفسه بصوت هامس : لقد صرت الآن رجلا فما لي وذكريات الطفولة ؟
كان عليه أن يعبر فوق الكوبري زفتىالذي يربط بين زفتى وميت غمر .
سأعبر فوق الماء نفسه في ذلك الظلام .
قالها ثم أردف : وآه من أم شوشه وبنات الحور اللاتي يمسكن القمر فلا يدور..
عند أول خطوة أحس بقشعريرة فقال: فلأصرف عني تلك الهواجس ولأتكلم عن شئ ماأقطع به الصمت والطريق . عن ماذا عماذا ؟
فكر ثم رد : عن أي شئ ..
عن الهواء .. عن العين .. عن القدم مثلا ..
- باتت بيوت البلد تطل قريبة ، أحس بشيء من الطمأنينة لرؤيتها.. تنحنح كهيئة من سيلقي خطبة ثم أردف مقلدا صوت مدرس جهوري الصوت كان يدرسه شيئالم يعد يتذكره من الخوف تقدم خطوات على الكوبري وهو يتحاشى النظر إلي الماء ثم قال : للقدم فوائد كثيرة .. فهي تحفظ توازن الإنسان .. نظر أمامه وهو يفكر ثم أضاف : والإنسان يختلف عن الحيوان فقدمه ذات خمسة أصابع وهي من الجلد تحليها أظافر تحميها من الصدمات و.. وللقدم جملة فوائد ..للقدم ... للقـ ..
نظر أمامه ثم وقف مذهولا منعقد اللسان زائغ النظرات .. كان الذي أسكته خيال رآه ممتدا أمامه على الأسفلت ..
ازدرد ريقه فلم يجده في جوفه بعد أن جففه الذعر ، فقد كان ( الخيال ) الذي رآه لقدم كبيره ضخمة ، تمتد أمامه فتملأ الطريق بأكمله ، خيال قدم تقارب الخمسين مترا طولا !اهتزت كل ذرة في كيانه .. فرك عينيه ثم أعاد النظر .
أيرى القدم أمامه وهو يتحدث عن القدم ؟ لأي كائن هي .. رباه !
عادت إلي ذهنه كل صور الرعب التي كان يطردها عن نفسه .
عاد صوت أم محمد كريمة يعوي في أذنه .. عاد فزعه قبل الفجر ، والمارد الأحمر صاحب العين المشقوقة، والوجه الأسود ، عادت أم شوشة ، وبنات الحور ، وأبو رجل مسلوخة ، والأشباح السود ، والجنية ذات الظلف ..
كلها جاءت تزعق ، وتتراقص أمام عينيه وهو آخذ في الانهيار واذوبان .. كلوح ثلجي لفحه حر الشمس .
هاهو متسمرا مكانه , قد جحظت عيناه ، ينظر إلي ( خيال )القدم أمامه وهو لا يكاد يصدق .. رغما عنه يتمتم :بسم الله بسم الله .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
قالها باستغاثة باطنة ..رافعا رأسه إلي السماء .
يارب يارب ارحمني ، أغثني .
الخيال لا يزال مكانه .. شعر هنيهة بطمأنينة سرت في نفسه مع ترديده للذكر ، ثم ندت منه التفاتة إلي أعلي حيث (العمارة ) خلفه . أعاد النظر إلي الأرض .. نظر لأعلى مرة أخرى ، ثم تنهد تنهيدة طويلة واستدار مبتسماوهو يهتف من قلبه : ياااااه .. الحمد لله .. دي حاجة تشيب .
في لمحة خاطفة كان قد رأى ساكن إحدى الشقق في البيت قد وضع قدمه من النافذة فانعكست صورتها على الأرض ممتدة طويلا على أسفلت الشارع .
ظل لسانه يردد : ياااه .. الحمد لله . أخذ طرف ثوبه بأسنانه وقطع الطريق ركضا إلى البيت .. تماما كما كان يفعل أيام الطفو

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق

الأكثر مشاهدة اليوم

فنون الأدب

غدًا .. سيأتي الصباح !

يا جراحي ..لا تجزعي يا جراحي .. .. هي روحي وجنّتي والأقاحيهي عمري ..وهبت عمري فداها .. .. لا تبالي إن أُفرِغتْ أقداحيعللّيني أموت فوق ثراها .. .. واحضنيني في سهلها والبطاح وَدَعيني ما بين نورٍ وظلٍّ .. .. أحتويها في أضلعي وجناحيواحمليني...المزيد