الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أصبحت أخشى الزواج والتزاماته ولا أثق في الفتيات، فما نصيحتكم لي؟

السؤال

السلام عليكم.

أنا شاب أبلغ 26 عامًا، أعيش خارج بلدي بعيدًا عن أهلي منذ سنوات طويلة، ولم أتمكن من رؤيتهم بسبب رفض التأشيرة مرات عديدة.

أعاني أحيانًا من الوحدة لعدم وجود أصدقاء مقربين، وأرى أن الزواج قد يكون مخرجًا منها، لكن لدي أسباب قوية تنفرني منه.

أولًا: فقدت الثقة بالفتيات في البيئة التي أعيش فيها بعد ما رأيته في الجامعة من اختلاط وعلاقات بين الشباب والفتيات، حتى بين بعض المحجبات والملتزمات ظاهريًا، كما أنني أسمع باستمرار قصص الخيانة والطلاق والخُلع لأسباب أراها تافهة، مما جعلني أخشى الزواج، وأشك في إمكانية العثور على زوجة صالحة يمكن الوثوق بها.

ثانيًا: أعمل في وظيفة أكرهها بشدة رغم أنها تؤمن لي دخلاً يكفي احتياجاتي الأساسية، حصلت عليها بعد بحث شاق دام عامًا ونصفًا، ولا أستطيع تركها بسهولة (أعلم إنها نعمة من الله، ولكنني أكره هذه الوظيفة حاليًا، ولا أستطيع تغييرها)، وأخشى أن يؤدي الزواج إلى إلزامي بالبقاء فيها سنوات طويلة بسبب مسؤوليات النفقة، خصوصًا مع الظروف الاقتصادية الصعبة، وإمكانية وجود أطفال مستقبلًا.

ثالثًا: مدخراتي الحالية بالكاد تكفي للمهر، دون احتساب تكاليف الأثاث والزفاف والهدايا ومتطلبات الزواج الأخرى. كما أرى أن كثيرًا من الفتيات وأسرهن يطلبون أمورًا تفوق قدرة الشاب العادي، مثل الذهب الكثير، أو المهر المرتفع، أو السيارة، أو المحافظة على مستوى معيشي مرتفع. وبعد كل ما بذلته من جهد في العمل، أشعر بنفور شديد من إنفاق هذه المبالغ الضخمة، وحتى لو كنت أملكها فلن أرجح إنفاقها كلها فقط لكي أتزوج.

رابعًا: أنا شخص انطوائي وأحب الهدوء والبقاء في المنزل، أعمل نحو 12 ساعة يوميًا، ولا يبقى لي إلا وقت قليل أرتاح فيه وحدي. أخشى أن أعجز عن تلبية الاحتياجات العاطفية والاجتماعية للزوجة، أو أن أدخل في خلافات ومشكلات يومية تزيد ضغوطي النفسية.

لذلك اخترت الابتعاد عن الزواج، لكنني في الوقت نفسه أخاف الوقوع في الحرام، وأشعر بالحيرة بين حاجتي للعفاف وبين المخاوف والعوائق السابقة، فما النصيحة المناسبة في مثل هذه الحالة؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مصطفى حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فأحييك أولًا على صراحتك مع نفسك، وعلى نظرتك الواقعية للأمور، وعلى خوفك من الوقوع في الحرام رغم ما يحيط بك من عقبات ومخاوف، وهذه في الحقيقة علامة خير؛ لأن كثيرًا من الناس إما أن يندفعوا نحو الزواج دون تفكير، أو ينصرفوا عنه دون أن يسألوا أنفسهم عن أثر ذلك على دينهم ومستقبلهم، أما أنت فقد حاولت أن تنظر إلى الصورة كاملة، وهذا أمر محمود.

لكن الذي أريد أن ألفت انتباهك إليه منذ البداية أن بعض ما ذكرته ليس مانعًا من الزواج بقدر ما هو نتيجة لتجارب ومشاهدات كوّنت لديك صورة قاتمة عن الحياة الزوجية، والإنسان إذا كثرت أمامه النماذج الفاشلة ظن أن الفشل هو الأصل، مع أن الواقع غير ذلك.

فأما ما ذكرته من فقدان الثقة بالفتيات بسبب ما رأيته في الجامعة، أو سمعته من قصص الطلاق والخيانة، فأحب أن أذكرك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]، وليس من العدل أن نحكم على آلاف الفتيات الصالحات من خلال نماذج محدودة، أو قصص يتداولها الناس، ولو تأملت لوجدت أن وسائل التواصل والمجالس لا تنقل غالبًا إلا الأخبار الصادمة، أما البيوت المستقرة فلا يتحدث عنها أحد، والتي لو بحثت عنها بجدية لوجدت غايتك وبغيتك، فإياك ونظرة التعميم.

لقد قال النبي ﷺ: "فاظفر بذات الدين تربت يداك"، متفق عليه، ولم يأمرنا أن نبحث عن المرأة الكاملة التي لا تخطئ، وإنما عن صاحبة الدين والخلق التي يُرجى معها صلاح الحياة واستقرارها، وما دام الله تعالى قد أبقى في هذه الأمة الصالحين والصالحات إلى قيام الساعة، فلا تجعل ما رأيته يحجب عنك رؤية الخير الموجود.

وأما خوفك من الالتزام بوظيفة لا تحبها بسبب مسؤوليات الزواج، فهو شعورٌ واردٌ لا سيما وأنت في مقتبل حياتك المهنية، لكن انظر إلى الأمر من زاوية أخرى: كم من شاب تغيّرت نظرته إلى عمله بعد الزواج؛ لأنه صار يرى فيه وسيلة لبناء بيته، وإعفاف نفسه، والإنفاق على أسرته، ولا يعني هذا أن تبقى في وظيفة تكرهها إلى الأبد، بل يمكنك أن تستمر فيها مؤقتًا مع السعي التدريجي لتحسين وضعك المهني، أو البحث عن فرصة أفضل، والزواج لا يمنع التطور، بل قد يكون دافعًا إليه.

وأما مسألة التكاليف والمهر وما يطلبه بعض الناس، فهي مشكلة حقيقية لا ننكرها، لكن الخطأ أن نعممها على الجميع، فما أكثر الأسر التي تقدّر ظروف الشباب، وما أكثر الفتيات الصالحات اللاتي يقدمن الدين والخلق على المظاهر، وقد قال النبي ﷺ: "أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً" (رواه أحمد وحسنه أهل العلم)، فابحث عن البيئة الصالحة، واستعن بأهلك وأصحاب الخير، ولا تجعل النماذج المبالغة تحجب عنك البدائل الموجودة.

وأما كونك شخصًا انطوائيًا يحب الهدوء، فهذا لا يعني أنك غير صالح للزواج، فكثير من الأزواج الناجحين ليسوا اجتماعيين بطبعهم، لكنهم تعلموا مهارات الحوار والتعبير والاحتواء مع مرور الوقت، والزواج لا يحتاج إلى شخصية استعراضية أو اجتماعية مفرطة، وإنما يحتاج إلى خلق حسن، ورحمة، وقدرة على التفاهم والتنازل، وهذه أمور يمكن اكتسابها وتنميتها بالتفاهم وحياة الود والحب مع زوجتك.

أخي الكريم: أكثر ما استوقفني في رسالتك قولك إنك تخشى الوقوع في الحرام، وهنا ينبغي أن تتوقف طويلًا عند وصية النبي ﷺ للشباب: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" متفق عليه. فالنبي ﷺ لم يوجّه الشباب إلى الزواج باعتباره رفاهية أو خيارًا اجتماعيًا، بل باعتباره بابًا من أبواب حفظ الدين وصيانة النفس.

لذلك أنصحك بعدة خطوات عملية:

• لا تتخذ قرار العزوف النهائي عن الزواج وأنت في سن السادسة والعشرين؛ فما زلت في بداية الطريق، وظروفك قد تتغير كثيرًا خلال سنوات قليلة.
• وسّع دائرة معارفك من الصالحين وأهل المساجد وطلبة العلم، فهؤلاء غالبًا يعرفون أسرًا محافظة وفتيات صالحات بعيدًا عن الصورة التي رسمتها الجامعة، ووسائل التواصل في مخيَّلتك.
• ضع خطة مالية واقعية للعامين، أو الثلاثة القادمة، ولو بادخار مبلغ يسير شهريًا؛ فالمشروعات الكبيرة تبدأ بخطوات صغيرة.
• لا تجعل الوحدة سببًا وحيدًا للزواج، ولا الخوف من التكاليف سببًا وحيدًا لتركه، بل انظر إليه على أنه مشروع حياة متكامل.
• أكثر من الدعاء المأثور: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74]، وداوم على الاستعفاف وغض البصر والصيام، إن وجدت من نفسك ضعفًا أو شهوة، حتى يهيئ الله تعالى لك أمرًا رشدًا.

وأختم فأقول: لا تجعل خوفك من فشل بعض الزيجات يحرمك نعمة قد جعلها الله تعالى سكنًا ومودة ورحمة، نعم، الزواج مسؤولية، لكنه أيضًا رزق، وأنس، وعفاف، واستقرار، وباب من أبواب الأجر؛ فاستخر ربك، وخذ بالأسباب، وأحسن الظن بالله تعالى، فإن من توكل عليه كفاه، ومن صدق معه هداه إلى ما فيه خير دينه ودنياه.

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويرزقك الزوجة الصالحة التي تكون لك سكنًا وعونًا على طاعته، وأن يجمع لك بين خير الدنيا والآخرة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً