الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نصائح للموظف المتمتع بالقدرات المفنية في تحصيل حقوقه ونيل المكان المناسب

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا مهندس أعمل في شركة عالمية منذ ما يقارب تسع سنوات ولله الحمد، وأنا أحب عملي وأعمل من كل قلبي، ولكن منذ فترة طويلة بدأت أحس أني أعمل وغيري يأخذ المقابل، وأنا بطبعي حساس ولا أحب أن أجرح مشاعر أحد، وبنفس الوقت لا أحب أن يجرح مشاعري أحد.

أحس أني لا أستطيع أن أطالب بحقوقي بسهولة، وإن قررت ذلك وتناقشت مع المسئول أغضب وأكون جداً مستنفراً، ولا أستطيع أن أُظهر أعمالي، فمثلاً: غيري يفعل شيئاً لا قيمة له، فيظهر نفسه أنه أنجز إنجازاً عظيماً، أما أنا فلو فعلت المستحيل وأنجزت فأحياناً لا يدري أحد بذلك.

إنني أعمل بالنظام والقانون، ولا أحب أن أتجاوز أحداً من زملائي ومديري، ولكن هذا عيب في الشركة؛ لأنه إن أردت أن تصل وترقى ويجب أن تظهر عملك وأن تتواصل مع الكبار، ووالله! إنني أحاول تطبيق شرع الله في كل أعمالي؛ فأنا إنسان ملتزم وأخاف الله وأراقبه في كل اعمالي، فلا يمكن أن أؤذي أحداً كبيراً كان أو صغيراً على حساب مصلحتي، وأحياناً لا يمكن أن أواجه أحداً أمام الآخرين بخطأ ارتكبه بحقي وآخذ الأمر على عاتقي.

وأحب أن أكون محبوباً بين زملائي، ولكن هذا ما يجعل أحدهم يستغل تواضعي وتساهلي؛ فأنا والله لا أتكبر على أحد؛ ودائماً أدعو الله أن يجعلني مؤمناً قوياً ويصلح حالي.
والله! إني قد مللت من رؤية غيري ومن لا يملك القدرات التقنية، ولكنه يملك لساناً حاداً وللأسف كاذب ومخادع، أراه يصل وأنا قابع في مكاني، ويمكن لأحدهم أن يصفني بالتقاعس والهبل.

إنني أمتلك كل القدرات ولكني لا أطالب بحقي والكل يعلم بذلك، ولكني إذا طالبت بحقي لم آخذه وانكسرت مرة أخرى، وسبحان الله! فإني أؤمن بقضاء الله وقدره، وأنا راض بما قسم الله لي ولكني بنفس الوقت لا أرضى أن أكون متخاذلاً كسولاً بحق نفسي وأسكت عن حقي، أحب أن أكون ذا شخصية قوية وخاصة في عملي.

علماً بأن الكل في محيط عائلتي يستشيرني ويأخذ برأيي ويعتبرونني حكيماً، آخذ القرارت الصائبة، والحمد لله لا أواجه صعوبات مع الاخرين بحياتي، خارج العمل أنا أيضاً محبوب من معظم من حولي وزملائي، وحتى زملائي في العمل.

وشكراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ م. خالد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت في أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يبارك فيك، وأن يثبك على الحق، وأن يهديك صراطه المستقيم، كما نسأله تبارك وتعالى أن يشرح صدرك للذي هو خير، ونسأله تبارك وتعالى أن يرزقك الرضا، وأن يرزقك الثبات على الحق، وأن يبارك فيك وفي أخلاقك الحسنة، وأن يُكثر من أمثالك من المخلصين الصادقين الذين يحبون أعمالهم ويُتقنونها على الوجه الذي يُرضي الله تعالى، ونسأله تعالى كذلك أن يعطيك قوة في شخصيتك وقدرة على اتخاذ القرارات النافعة لك ولغيرك.

وبخصوص ما ورد برسالتك: فإن كثيراً من الناس يملكون القدرات الفنية ولكن لا يملكون القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة أو المناسبة، وذلك للحساسية المفرطة، حيث إنهم يحرصون كل الحرص على أن لا يلحقوا أذى أو ضرراً بأحد، فيضحون بأنفسهم وبمصالحهم حتى لا يعرضوا غيرهم للخطر أو المساءلة، ولكن وإن كان هذا عملاً حميداً إلا أن الإنسان ما دام يشعر أنه مهضوم وأنه مظلوم فيجب عليه أن يدفع الظلم عن نفسه، وهذا أمر شرعي ومطلوب، إذ إن الإنسان منا طُلب أن يدافع عن نفسه وأن يأخذ حقه ما دام لا يعتدي على حق غيره، فإن حقي ينتهي عند بدء حق الآخرين، وكذلك حريتي تنتهي عند بداية حرية الآخرين، وكما أنه لا يحق لغيري أن يعتدي عليه فلا يجوز لي أن أعتدي على حق غيري.

وإن كنت ترى أن هناك من يعتدي على حقك وهناك من يأخذ ثمرة عملك ويضيفها لنفسه؛ فهذا نوع من الضعف من قبلك؛ لأن الإسلام لا يرضى لك بالدونية، ولا يرضى لك بالهزيمة، فحاول أن تغير من نفسك في حالة طلبك لحقوقك، فأنت تقول بارك الله فيك أنت لا تستطيع أن تطالب بحقوقك بسهولة، لماذا ذلك؟ هذا أمر فيه خلل في شخصيتك، إذ إنك لا تستطيع ذلك، رغم أنه من حقك.

وكذلك أيضاً المشكلة الكبرى أنك إذا أردت ذلك وقربته تتناقش بعصبية وتكون مستفزّاً مما يجعل حقك يضيع، فأتمنى أن تعالج هاتين النقطتين عندك، فما دام لك حق وأنت تريده وتشعر بأنه من حقك فيجب عليك أن تطالب به، وكذلك أيضاً إذا طالبت به ينبغي عليك أن تُمسك بزمام نفسك وأن تعود نفسك الصبر والحلم وحُسن العرض حتى لا تفقد طلباتك حقها من القبول أو من النظر فيها؛ لأنك عندما تكون حقيقة في حالة غضب فإنك قد تطلق عبارات تُحسب ضدك ولا تحسب لك، وقد تضيع حقك وأنت لا تدري.

ولذلك أنصحك بقراءة بعض الكتب التي تعطيك بعض المهارات لعل الله تبارك وتعالى أن ينفعك بها، وهي متوفرة في المملكة ولله الحمد خاصة في (مكتبة جرير):
الكتاب الأول عنوانه (كيف تفهم نفسك وتفهم الناس.. وسائل مجربة للنجاح في الحياة)، وهو كتاب مترجم لمؤلف يسمى (هنري كلاي)، وترجمه رجل يسمى (شفيق أسعد فريد)، هذا الكتاب مفيد جدّاً يعطيك الوسائل التي بها تستطيع أن تفهم غيرك، وأن تفهم نفسك أيضاً، وأن تتخذ القرارات المناسبة.

وهناك كتاب أيضاً بعنوان: (تعلم التفاؤل .. كيف تستطيع أن تغير طريقة تفكيرك وحياتك)، وهو كتاب أيضاً لمؤلف يسمى (مارتن سرجمن)، وهو أيضاً من الكتب المعربة التي أصدرتها أو عربتها مكتبة جرير، وهو كتاب نافع جدّاً لأنه يعيد ترتيب أفكارك ويعيد ترتيب قراراتك ويكسبك المهارة على اتخاذ القرارات.

وهناك كتاب ثالث يسمى (كيف نتقبل الناس ونجتنب إيذائهم) أيضاً هذا من الكتب المفيدة التي تجعلك مرناً في التعامل مع الآخرين، والتي تجعلك تكسب احترام الناس وتقديرهم دون أن تؤذيهم ولكنك أيضاً لا تضيع حقك، وهذا الكتاب لمؤلفته (عابدة المؤيد العظم)، وهو إصدار مكتبة الأجيال للترجمة والنشر.

فهذه الكتب تعطيك بعض المهارات التي بها تقوي نفسك وتستطيع أن تتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وإذا كنت فعلاً تريد أن تغير واقعك فاعلم أن الواقع لن يتغير إلا إذا تغيرت أنت شخصياً، وأنت أمام حقك المسلوب واحد من اثنين: إما أنك فعلاً تريد حقك كاملاً أو معظمه، وفي تلك الحالة لابد أن تغير من نمط سلوكك ومن طريقة تفكيرك ومن طريقة كلامك وتعاملك مع المسئولين.

وإما أنك لا تريد وترضى بما قدره الله تبارك وتعالى لك، وفي تلك الحالة أنصحك ألا تدخل هذه المعركة، ولكن ما دمت متميزاً وما دمت بفضل الله تعالى تستطيع أن تحصل على حقك وأن تحقق إنجازات؛ فأنا أتمنى بارك الله فيك أن تتكلم وأن تتواصل مع أي أحد يستطيع أن يأتيك بحقك، بشرط ألا تعتلي على أحد وأن لا تسيء لأحد ولا تذكر أحداً بسوء؛ لأنه من الخطأ البين أن تتكلم في حقك ثم تعتدي على حق غيرك، وإنما ما دمت ترى أنك متميزاً وهذه الإنجازات؛ فأتمنى ألا تقدمها إلا بنوع من الأدب والوقار والاحترام، حتى تحظى بتقدير الناس.

أما إذا كنت فعلاً في حالة عصبية وفي حالة استهجان وفي حالة غضب، فأنا واثق أنك لن تجد أحداً يسمعك مطلقاً؛ لأن الناس يريدون العقل ويريدون الحكمة ويريدون التقدير أيضاً من الشخص الذي يطالب بحقه.

وإذن أقول: إذا كنت مصرّاً على أخذ حقك فهذه الكتب ستساعدك على تغيير نمط تفكيرك وعلى تغيير طريقة عرضك وعلى تغيير طريقة طرح أفكارك، وبالطريقة هذه ستتغير وسيشعر من حولك بأنك قد تغيرت فعلاً، نتيجة هذا التغيير الذي حدث على مكوناتك الفكرية والعلمية والثقافية.

أما إذا كنت على الوضع الذي أنت عليه فهذا من شأنك، لأنك تركت حقّاً هو لك، وإن تركته ابتغاء مرضاة الله تعالى لأنك لا تريد المشاكل أو لا تريد أن تؤذي أحداً فهذا يرجع إليك، ولكن الإسلام يقف معك ما دمت لا تعتدي على حق غيرك، فهذا من حقك، وما دام هذا حق مضيع فأنت لو طالبت به فأنت بذلك لا تكون قد تركت الأخذ بالأسباب القدرية أبداً، وإنما إن طالبت بحقك فأنت تتمشى مع الشارع؛ لأن الله تبارك وتعالى أمرك أن تأخذ بحقك بشرط ألا تعتدي على حق غيرك، وأنه لا ينبغي للإنسان أبداً أن يترك حقه إلا إذا تركه ابتغاء مرضاة الله وهو قادر على أخذه.

فهذه الكتب قد تساعدك في اتخاذ القرار المناسب، حتى إذا ما تركت الحق تركته بأريحية وبرغبة، أما إذا كنت فعلاً تريده فلابد أن تناضل من أجله بشرط أن لا يترتب على ذلك إلحاق ضرر بأي أحد أو الإساءة لأي أحد أو التجريح لأي أحد، إن استطعت ذلك فاستعن بالله واعلم أن الله تبارك وتعالى أوصاك بذلك، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز)، وهذا أمر شرعي، سواء كان نفعاً مادياً أو نفعاً دنيوياً أو نفعاً أخروياً، فأنت مطالب أن تحرص على الشيء الذي يعود بالنفع عليك في أمر دينك ودنياك.

فاستعن بالله على المطالبة بهذا الحق ولا تعجز، أي: لا تتكاسل ولا تكن إمعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يكن أحدكم إمعة)، والإمعة هو الذَنَب الذي لا رأي له ولا قرار ولا وزن له ولا صقل، فالنبي صلى الله عليه وسلم ينهاك أن تكون كذلك.

ولذلك إذا كنت مصرّاً فعلاً على أخذ حقك فلابد أن تغير طريقة تفكيرك ونمط سلوكك، وهذه الكتب ستساعدك على ذلك، وإذا كنت راضياً بما أنت عليه فأرى أن تريح نفسك وأن تترك الأمر لله تعالى، ولكن هذا خلاف الأولى، وإلا فالأولى أن تتصدر عملك وأن تكون على رأس العمل ما دمت تخاف الله وتتقيه وما دمت تتعامل بهذه الأمانة وهذه الدقة، فنحن في أمس الحاجة إلى أمثالك الذين يوجدون في الإدارات العليا حتى يعينوا غيرهم على إتقان العمل؛ لأن إتقان العمل الآن يعاني من أزمة شديدة بين كثير من المسلمين مع الأسف الشديد.

ونحن في أمس الحاجة إلى قيادات عليا تحافظ على المصلحة العامة وتحافظ على الحق العام للمسلمين؛ لأنه إذا وجد الرأس الكبير المفكر العاقل الذي يحفظ رسالة الإسلام سلوكاً وعملاً وفكراً فإن المؤسسة كلها سيستقيم حالها؛ لأن الناس على دين ملوكهم، فإذا كان المدراء الكبار والمسئولون المنفذون في المؤسسات يتمتعون بحس إيماني قوي، ويحرصون على دفع عجلة الإنتاج إلى الأمام، ويهتمون جدّاً بالجودة وإتقان العمل، ويتقون الله تبارك وتعالى؛ فإنه قطعاً سيترتب على هذا الشعور وهذا الاهتمام ازدهار الصناعة الإسلامية ورواج سوقها.

ولهذا ما دمت ترى في نفسك القدرة على ذلك فأنا أرى أن تستعين بالله وأن تبدأ بالمطالبة بحقك، ولكن لابد من التحرك بالأسلوب المناسب والوقت المناسب، وأيضاً الطريقة المناسبة في الطرح والعرض، وأهم شيء بارك الله فيك أن لا تعرض بأحد أو تجرح أحداً أو تغتاب أحداً حتى تصل إلى حقك؛ لأن هذه طرق لا يرضاها الإسلام ولا توافق هدي النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للذي هو خير، وأن يوفقك إلى كل خير، كما أوصيك بالدعاء والإلحاح على الله تعالى أن يقوي شخصيتك، وأن يجعلك شخصية مؤثرة تؤثر في غيرك ولا تتأثر بسهولة، وأن يجعلك شخصية قيادية رائدة، إنه جواد كريم.

وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك
  • سوريا محمود قلاش

    اعجبني

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً