ما موقف الفتاة من منع أهلها لها من لبس الحجاب ومطالبة خطيبها لها بلبسه؟

2011-02-03 11:25:21 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة مقبلة على الزواج، والحمد لله الذي منّ الله علي بالهداية والتوبة، فوضعت الحجاب لكن بعد عناء كبير ومشقة مع أهلي الذين منعوني من لبسه، ورفضوه إطلاقاً، حيث تعرضت للسب والشتم والإهانة، وسوء المعاملة، ومحنة المقاطعة.

الآن خطيبي يطلب مني لبس الحجاب الشرعي، وأنا أريده كذلك، فلما أخبرت أهلي بهذا الأمر هاجوا علي، ومنعوني من ارتدائه، ورفضوه إطلاقاً، حيث اتهموني بالإرهابية وغير ذلك، وقالت لي أمي: لن تضعيه حتى تذهبي عند زوجك، وافعلي ما تشائين، أنا أعاني مع أهلي، فماذا أفعل؟ هل أطيع أهلي أم ألبي طلب زوجي الذي فيه طاعة الله؟

أفيدوني وجزاكم الله خيراً.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم عبد الرحمن حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

إنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبارك فيك، وأن يثبتك على الحق، وأن يهديك صراطه المستقيم، وأن يجعلك من الصالحات القانتات، وأن يسترك بستره الذي لا ينكشف في الدنيا ولا في الآخرة.

بخصوص ما ورد برسالتك –أقول لك أختي الكريمة الفاضلة: إنه ومما لا شك فيه أن الحجاب من أوامر الله تبارك وتعالى التي فرضها على المسلمات، حيث قال الله تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ))[الأحزاب:59]، فالحجاب ليس قضية شخصية تستطيع المسلمة أن تتصرف فيه بهواها أو أن لا تؤاخذ عليه، بل إن الله تبارك وتعالى فرضه على المسلمة فرض عين، حيث أمرها أن تستر نفسها، واختلف العلماء في مسألة تغطية الوجه، فمنهم من قال بوجوب تغطية الوجه، أي أن المرأة تغطي بدنها كاملاً ما دامت خارج بيتها، ولا يبدو منها إلا عينها، ومنهم من قال بأنه يجوز لها أن تكشف وجهها ويديها، وهذه الأقوال موجودة في كلام أهل العلم.

أقول: إذا كنت تقصدين الحجاب بمعنى الحجاب الذي هو يتمشى مع كثير من أقوال المعاصرين، بمعنى أنه تغطية الرأس والبدن وكشف الوجه واليدين فقط، إذا كان أهلك لا يريدون ذلك فأقول: لا ينبغي عليك طاعتهم في هذا؛ لأن الله تبارك وتعالى هو الذي خلق الإنسان وهو الذي كلفه بما يراه صالحاً مناسباً لدينه ويترتب عليه رضا الله تبارك وتعالى عنه، ولذلك هذه القضية ليست من القضايا التي تُعتبر من باب النوافل أو السنن، نقول للمسلم أتركها مراعاة للظرف، فإذا ما يسر الله لك افعلها، ليس بمقدوري أنا ولا بمقدور أحد من المسلمين جميعاً أن يقول هذا الكلام مطلقاً؛ لأن الذي فرض الحجاب على المرأة المسلمة إنما هو الله.

والله تبارك وتعالى يقول: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ))[الأحزاب:36] ويقول جل وعلا: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا))[النور:51] والنبي عليه صلوات ربي وسلامه يقول: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وقال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).

إذا كنت تقصدين الحجاب الذي هو الحجاب العادي، بمعنى أنك تغطين بدنك فقط وتكشفين وجهك ويديك، فهذا هو الحد الأدنى ولا ينبغي أبداً أن تفرطي فيه بحال، مهما قالت أمك ومهما قال أبوك؛ لأن هذا الأمر أمر شرعي، أمر رباني، أمر إلهي، ليس من الأمور التي اختلف فيها أهل العلم.

إن العلماء اختلفوا أختي الكريمة في تغطية الوجه هل هو واجب أم هو مسنون؟ ولكن لم يختلفوا أبداً في أن الحجاب مع كشف الوجه واليدين واجب، بل إن بعض العلماء يرون أن المرأة التي تكشف وجهها ويديها عاصية، وأنا لا أريد أن أُشدد عليك، ولكن أقول: إذا كانت القضية حتى مسألة أنهم لا يريدون لك أن تغطي شعرك ولا رأسك ولا أن تغطي مثلاً عنقك فلا ينبغي طاعتهما في ذلك مطلقاً، لأنها طاعة في معصية، ولا يجوز لنا أبداً أن نطيع أحداً لا أباً ولا أُمّاً ولا أحداً كائناً من كان في ذلك، إلا إذا كنا سوف نتعرض لضرر مؤقت.

إذن القضية ليست قضية أن يأمر خطيبك بذلك أو لا يأمر، هذه قضية شرعية أمر الله بها من فوق سبع سماوات، ولكن خطيبك يُشكر جزاه الله خيراً على أنه أمرك بذلك وأعانك عليه وحثك عليه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه رجل فيه خير وأنه رجل مبارك بإذن الله تعالى.

قضية خطيبك أيضاً أنا لا أعرف ماذا تقصدين بخطيبك، إذا كنت تقصدين أنه قد عقد عليك العقد الشرعي وكتب الكتاب – كما يقولون – فكلمة خطيبك هذه قليلة، وإنما الأولى أن تقولي إنه زوجك؛ لأنه بذلك يُصبح زوجاً شرعياً لك، أما إذا كان مجرد أنه تقدم لأهلك لخطبتك أو الارتباط بك دون أن يعقد عليك أو يكتب الكتاب – كما يقولون – فهذه تسمى خطبة، وفي الحالة لا ينبغي أن نقدم كلامه على كلام الوالدين، وإنما نحن الآن في حالتك هذه نقدم كلام الله على كلام كل أحد؛ لأن هذا كلام الله تعالى.

أما إذا أمرك بأمرٍ وهذا الأمر كان محل خلاف ووالداك يأمرانك بأمر آخر فينبغي عليك أن تطيعي والديك، لماذا؟ لأن حقهما أعظم من حق خطيبك، أما إذا كان زوجاً شرعياً ففي تلك الحال ننظر إلى مسائل أخرى.

المهم أننا نقول: اثبتي وتحملي، ولا تكثري من الخروج من البيت إلا لحاجة، حتى لا تثيري أهلك، فأنت ما دمت في داخل البيت لا تحتاجين إلى الحجاب فلا توجد هناك مشكلة، ولذلك اجتهدي بارك الله فيك أن لا تخرجي من البيت كثيراً، حتى لا تضطري إلى لُبس الحجاب فيقومون بالإساءة إليك وإهانتك.

هذا من الممكن أن يكون حلاً، مع محاولة بارك الله فيك الاستعانة ببعض الصالحين من جيرانكم أو من أهل الديانة والصلاح لديكم أن يتكلم مع الوالدين وأن يبين لهما أن هذا أمر شرعي، وأنه ليس من الأمور التي ينبغي أن يختلف فيها الناس، وأنك الآن ولله الحمد والمنة قد منَّ الله عليك بالارتباط؛ لأن بعض العوام يقولون بأن البنت إذا تحجبت أو انتقبت لن يتقدم لها أحد، ولذلك يتذرعون بهذه الحجة الواهية الضعيفة التي لا تساوي شيئاً، ويقولون نحن نريد لها أن تتزوج وأن تستقر، ولذلك يبدءون كما ذكرت في الضغط عليها حتى لا تتحجب، أما أنت الآن قد منَّ الله عليك برجل صالح وهو يريد ذلك ويؤيده، إذن ليس لديهم أي عذر أو أي مبرر لأن يأمراك بهذا الأمر.

وفي جميع الأحوال: اعلمي أن الله تبارك وتعالى قال: ((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ))[الطلاق:2-3] فثقي وتأكدي من أن الله سيجعل لك مخرجاً عاجلاً غير آجل.

إذا كان قد تم العقد عليك فحاولي أن تحثي زوجك أو خطيبك على إنهاء إجراءات الزواج في أسرع وقت حتى تستطيعي أن تحيي حياة بلا مشاكل، وأن تخرجي من هذه الضائقة التي تعانين منها من خلال ضغوط والديك عليك، وبذلك تكونين في مأمن في دينك وتستطيعين أن تعبدي ربك بطريقة سلسة ومرنة وأن تتمتعي بالحرية الشرعية والحق الذي كفله الله لك من إقامة شرع الله في حياتك على الوجه الذي يُرضي الله تعالى ويوافق هدي النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

أسأل الله لك التوفيق والسداد، وأسأله تبارك وتعالى أن يمنَّ عليك بالثبات والاستقرار، وأن يعجل بزواجك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأسأله تبارك وتعالى أن يثبتك وأن يشرح صدر والديك لقبول الحق وعدم رفضه، وأن يكونا عوناً لك على طاعة الله ورضاه، وأكرر رجائي مرة أخرى أن تستعيني ببعض الصالحين من عباد الله تعالى الذين يبينون لوالديك خطورة ما يقولانه وما يأمرانك به، وأن هذا الأمر لا يجوز لهما ولا لغيرهما من الناس أبداً.

هذا وبالله التوفيق.

www.islamweb.net