انتحار أخي أصابني بالخوف والعزلة وجعلني كثيرة البكاء

2011-05-31 11:04:45 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا فتاة أبلغ من العمر 20 عاما، كان لدي أخوين، أحدهما يكبرني بالسن والآخر يصغرني، وقد توفي والدانا منذ أن كان عمري 7 سنوات، عشنا حياة سعيدة برعاية أهل والدي ولله الحمد، ولكن منذ سنة تقريبا عانى أخي الكبير من الاكتئاب الشديد مع أنه شاب طموح وصالح ومحافظ على الصلاة ومجتهد بدراسته الجامعية، كان يتذكر الماضي كثيرا ويتذكر والدانا ويأتي إلي ويبكي كثيرا، وقد عرضناه على أكثر من دكتور نفسي، ولكن كانت حالته تسوء يوما بعد يوم، إلى أن وجدناه صبيحة يوم قد شنق نفسه ولفظ أنفاسه رحمه الله تعالى، وقد لاحظنا بالفترة الأخيرة عليه أنه شخص آخر، حتى أنه قبل وفاته بأسبوع وجدنا عنده مسدس، لا نعلم من أين أتى به، كان يريد قتلي، ولكن أنا كنت متيقنة بأنه ليس هو أخي بذلك الوقت، وكأن شيئا كان تلبسه رحمه الله تعالى.

أسئلتي:
1/ما حكم قتل أخي لنفسه مع تيقننا بأنه مريض نفسي وليس بوعيه؟
2/أصبحت كثيرة البكاء، ومنعزلة عن المجتمع، وتمر أيام لا أنام، وأشعر أني فقدت الدنيا جميعها بفقدان أخي رحمه الله، فقد كان لي الأب والأخ والصديق، أريد أن استعيد نفسي السابقة ورضائي بقضاء الله وقدره فما نصيحتكم؟
3/ أخاف كثيرا على أخي من أن يصيبه مثل ما أصاب أخي الأكبر، فكيف أتعامل مع هذا الخوف؟


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هند حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

فنسأل الله تعالى لأخيك الرحمة والمغفرة.

هذا الموضوع حقيقة - أي انتحار المريض - سألنا عنه كثيرًا الأخوة المشايخ، ونستطيع أن نقول أن أصحاب الأمراض النفسية العقلية المطبقة هم من أصحاب الأعذار إن شاء الله تعالى، وكما قال صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاث) ومنهم (المجنون) وهنا لا أعني بكلمة المجنون المفهوم السلبي الشائع، إنما أعني الشخص الذي حُجب عقله واختفى عقله وأصبح يتصرف خارج عقله، ونعرف تمامًا أن الاكتئاب النفسي الشديد، الاكتئاب الذهاني - أي العقلي - قد يؤدي بصاحبه إلى الانتحار، شاهدنا حالات كثيرة من أناس نستطيع أن نقول أنهم كانوا فيهم الكثير من الخير ولم نشاهد عليهم سوءً، ولكن بكل أسف فيهم من أقدم على أخذ حياته، رأينا فيهم من كان يصلي ومن كان يصوم، ولكن هي مشيئة الله تعالى.

فيا أختي الكريمة: إن شاء الله تعالى لا حرج على أخيك، وسوف يفيدك إن شاء الله الأخوة العلماء المشايخ في هذا الأمر، فهم أدرى مني بذلك.

هنالك أمور سوف تشعرك بالرضى:

أولاً- يجب أن لا تحسي بالذنب حيال ما حدث لأخيك، هذا أمر مقدر، ولم تكن لك مساهمة سلبية أدت إلى ما قام به، فلا تشعري بالذنب حيال هذا الأمر، بل على العكس تمامًا هذه المشاعر الإيجابية وهذا العطف وهذا الوجدان وهذا الحنان حياله والخوف من مآله، هذا في حد ذاته رحمة كبيرة في قلبك تجاهه، وأنت يجب أن تدعمي ذلك بالدعاء له، فإن شاء الله تعالى هذا فيه خير كثير، وإن كان لم يحج فليحج له أحد أفراد أسرته، فهذا أيضًا إن شاء الله من الأعمال التي تُقبل.

ثانيا- بالنسبة للأخ الآخر: يجب أن لا تكوني حقيقة مهمومة حول هذا الأمر، فالانتحار أمر فردي وأمر نادر جدًّا، ونحن الحمد لله تعالى في مجتمعنا الإسلامي يعتبر الانتحار قليل جدًّا إلا الذين أطبق عليهم المرض، وأخيك هذا ليست هنالك بوادر مرض تدفعه لهذا الأمر، والحمد لله تعالى أنتم أسرة متماسكة، وحتى إن توفي الوالد وأنتم في مرحلة الطفولة، لكن من الواضح أنكم الآن في مرحلة وعي ومقدرة وتستطيعوا أن تساندوا بعضكم البعض، فاجعلوا المودة والرحمة بينكم كصلة، وهذا إن شاء الله يدعم علاقاتكم ويجعلكم في وضع نفسي أكثر طمأنينة.

أيتها الفاضلة الكريمة: لا تشعري بالذنب كما قلت لك، واسألي الرحمة لأخيك، هذا هو المطلوب تمامًا، ونحن نعرف أن أثر الانتحار كبير على أفراد الأسرة، المنتحر دائمًا - وبالطبع قد ذهب بسره معه، لا أحد يعرف ما كان يدور في خلده - في مجتمعنا الإسلامي حين يقدم على هذا الأمر لابد أن يكون هنالك مرض عقلي حقيقي، وكل الحالات التي شاهدناها حقيقة كان لي ناس غلب عليهم المرض سيطر عليهم المرض أفقدهم عقولهم ولذا حدث هذا الاندفاع، لكن التأثير دائمًا يكون كبيرًا على أفراد الأسرة، وهذا إن شاء الله دليل رحمة، لكن بمرور الزمن وأن يكون الإنسان دائمًا في جانب الأمل إن شاء الله تعالى تختفي مشاعر الحزن، وهي علامات رحمة كما ذكرت لك، والدعاء له هذا هو المطلوب، وكذلك الحج والصدقة إن كان ذلك بالإمكان.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وكما ذكرت لك سوف يقوم أحد الأخوة المشايخ الفضلاء بتزويدك بالنصائح المطلوبة وإبداء الرأي الشرعي حول هذا الأخ عليه رحمة الله تعالى.
__________________________

انتهت إجابة الدكتور عبد العليم وتليها إجابة الدكتور أحمد الفودعي

__________________________
فمرحبًا بك أختنا العزيزة في استشارات إسلام ويب.

عظم الله أجرك في مصيبتك بأخيك، ونسأل الله تعالى أن يرحم هذا الأخ وأن يتغمده بواسع رحمته، وأن يتجاوز عنه، وأن يجعل ما أصابه كفّارة لذنوبه وسيئاته.

لا شك أن المصاب بأمراض نفسية قد يصل في بعض الأحيان إلى حالة تشبه بحالة الجنون، فيتصرف تصرف المجانين، وفي هذه الحال إذا فعل شيئًا كما يفعل المجنون فالمجنون مرفوع عنه القلم وغير مؤاخذ بما يفعله أو يقوله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) ومنهم (والمجنون حتى يفيق)، ومن ثم فلا تحزني أيتها الأخت لما أصاب أخاك، فإنه إذا كان قد بلغ إلى هذه المرتبة فغير مؤاخذ، وخير لك من الحزن والبكاء أن تكثري من الدعاء له، فإن الدعاء ينفعه بإجماع علماء المسلمين، فأكثري من الدعاء له لاسيما في أوقات الإجابة بأن يتغمده الله برحمته ويحسن جزاءه، وهذا نافع له ونافع لك أنت أيضًا.

والحزن أنت معذورة عليه أيتها الكريمة، فإن فقدان الحبيب من المصائب التي يُقدرها الله عز وجل على هذا الإنسان ليبتلي صبره، ولكن وعد سبحانه وتعالى بعظيم الأجر والجزاء لمن صبر واحتسب هذه المصيبة التي نزلت به، وهذا الصبر أنت مأجورة عليه ومثابة في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فإن الله عز وجل وعد من نزلت به مصيبة فصبر واحتسب وفعل ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُخلف عليه خيرًا من هذه المصيبة التي نزلت به، فقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها) قالت: فلما مات أبو سلمة - يعني زوجها - قالت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ يعني كأنها تستبعد أن يخلف الله عليها خير من أبي سلمة. قالت: قلت أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله؟ ثم أني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موت أبي سلمة، وكان هذا مصداقًا لهذا الوعد أن الله عز وجل سيخلف لها خيرًا مما فقدت، فأخلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير من أبي سلمة، وأنت كذلك أيتها الكريمة: إن صبرت واحتسبت وقلت هذه الكلمات (اللهم اؤجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها) فإن الله عز وجل قادر على أن يُخلف لك من هو خير لك من أخيك، فسيرزقك الله عز وجل الزوج الصالح، وستجدين الذرية الصالحة الطيبة، وفي ذلك خير كثير، فينبغي أن تعلقي آمالك بالله تعالى وأن تحسني الظن به، وتعلمي أنه سبحانه لا يبتلي الإنسان ليُهلكه وإنما ليمتحن صبره، فإذا صبر على عوضه خيرًا مما فقد.

ولا تحزني وتقلقي لاحتمال أن يصيب أخاك الأصغر مثل ما أصاب أخاك الأكبر، فإن المقادير كلها بيد الله تعالى، ولن يصيب الإنسان إلا ما كتب الله تعالى في الأزل قبل أن يخلق السموات والأرض، وهذا القدر لا مفر منه، فالإنسان عليه أن يعتقد ويوقن يقينًا جازمًا أن كل ما ينزل بنا من الحوادث سواء نعم يحبها أو مصائب يُبغضها كلها قد كتبه الله عز وجل قبل ذلك، فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا داعي للهم والقلق فيما يُتوقع من الحوادث في المستقبل، فإنها ربما لا تكون فيكون الإنسان قد أساء إلى نفسه وحملها همومًا وغمومًا غير حاصلة، فأحسني الظن بالله تعالى، وعلقي آمالك به وأكثري من دعائه وحسني علاقتك به، وسترين من الله سبحانه وتعالى كل خير، وسلي الله العفو والعافية في الدين والدنيا و الآخرة.
نسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير حيث كان.
وبالله التوفيق

www.islamweb.net