هل الغربة والوحدة تبيح الشات لمن يريد الزواج والتذكير بالله تعالى؟

2012-05-14 09:14:11 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكركم جزيل الشكر على موقعكم القيم الذي أفادنا في مواضيع عدة.

سؤالي: هل يمكن لشاب يدرس في بلاد الغرب، بعيدا عن أهله، ولا يجد أصدقاء، ولا من يذكره بالإسلام، أن يراسل فتاة من بلده, عازما على الزواج منها, تعلق بها كثيرا, تذكره بالله، ويسألها إذا وقع في مشكلة, وتفكيره في الزواج منها، والتحدث إليها يعفة عن الحرام؟

علما أنه لا يمكنه المجيء لخطبتها إلا بعد سنة عندما ينهي دراسته، والحديث في منتهى الأدب والجدية, دون مسامرة أو ضحك, وبوجود الوازع الديني والضوابط الشرعية.

وهل إذا أخبر والدها عبر الهاتف يكفي للسماح له بمراسلتها عبر النت؟ ما هو الحل لإحساسه بالوحدة، والحاجة للتحدث مع شخص يفهمه؟

يقول إنها في وقت قصير غيرت حياته للأفضل، وتعلم منها الكثير عن الدين, وإنها الوحيدة التي تذكره بالله, وترفع له المعنويات, إلا أنها سرعان ما أحست أن ما تفعله خطأ, وقررت التوبة, وقطعت الحديث معه، وتركت له رقم والدها لأنه أصر على الزواج منها عند عودته رغم أنه لم ير صورتها.

هل هذا القرار هو الصواب؟ وما هو الأصوب في رأيكم؟ وهل تسمح له بالاطمئنان عليها على الأقل؟

ملاحظة: ( أنا هي الفتاة المعنية بالأمر ).

شكرا، وجزاكم الله خيرا على التوضيح والتفسير.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ التائبة إلى الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله العلي الأعلى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يبارك فيك، وأن يكثر من أمثالك، وأن يثبتك على الحق، وأن يهديك صراطه المستقيم، وأن يجنبك الفواحش، والفتن ما ظهر منها، وما بطن، وأن يجعلك من الصالحات القانتات، وأن يمنّ عليك بزوج صالح طيب مبارك.

وبخصوص ما ورد برسالتك – ابنتي الكريمة الفاضلة – فإن قرار التوقف الذي أخذته إنما هو الصواب، بل هو الأصوب، كما ذكرت في رسالتك، لأن هذه العلاقة حتى وإن كانت منضبطة بضوابط الشرع إلا أن الإنسان لا يستطيع أن يتحكم في عواطفه ومشاعره، لأن النفوس تميل بطباعتها إلى كلام الحب والكلام العذب والكلام الرقيق والكلام الحنون، وقد تكون الفتاة في أول أمرها متمسكة، وتملك قلبها، وتستطيع أن تتحكم فيه، ولكن مع تكرار التواصل سيميل قلبها يقينًا، ثم تفاجئ بعد ذلك أن هذا الشخص الذي دعا إلى الإيمان والإسلام والإحسان على خلاف ذلك تمامًا، وتصبح في وضع لا تُحسد عليه، ما بين قلب قد تعلق بإنسان إلى درجة الهيام والعشق، وما بين واقع مرير ما كانت تتمناه لنفسها في يوم من الأيام أبدًا، وهنا قد تُقدم على اتخاذ قرار غير موفق نتيجة رد الفعل الذي يعمل في صدرها.

ومن هنا فإني أقول: إن إغلاق هذا الباب هو الحق، لأن الله تبارك وتعالى يقول: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} ويقول جل جلاله: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} فالذي حرم الخلوة بالنساء الأجنبيات، والذي حرم الاختلاط، والذي حرم المصافحة، والذي حرم التلامس بالأجساد إنما هو الله جل جلاله، على لسان نبيه محمد - عليه صلوات ربي وسلامه – وكذلك في القرآن الكريم في بعض النصوص التي كلها تدعو إلى سد الذرائع التي تؤدي إلى فتح باب الفتن على أمة النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - .

ومن هنا فإني أقول لك: إن هذا القرار الذي اتخذته قرارًا صائبًا، ومسألة أنه لا يستطيع أن يتكلم معك إلا في نهاية العام، أو عند نهاية دراستك، أرى أنه ليس وقتًا طويلاً، وإنه بمقدوره أن يصبر هذه الفترة حتى يجمع الله تبارك وتعالى بكما وفق الضوابط الشرعية التي ترضي الله تبارك وتعالى، وتوافق هدي النبي محمد - عليه صلوات ربي وسلامه - .

ومن هنا فإني أقول: إن قرارك قرار موفق، وصائب مائة بالمائة، وعلى هذا الأخ أن ينتظر، من الممكن أن ترسلي له رسالة، وأن تبيني له أنك لا تريدين أن تقعي أنت وهو في معصية الله تعالى، حتى يكرمكما الله تبارك وتعالى بالتوفيق في مستقبل حياتكما، لأن الحياة التي تبدأ بالمعاصي عادة ما تنتهي أيضًا نهاية سيئة، وغير موفقة، وهذا ما يعرف عند العلماء بشؤم المعصية، فالمعصية لها شؤم عجيب، قد تفرق ما بين الزوجين، وقد تفرق بين الأبناء والآباء، بل قد تدمر القيم والمبادئ والحضارات والمثل، وكم من حضارات زالت من الوجود بسبب المعاصي.

فإذن أقول – بارك الله فيك - : إن هذا القرار الذي أخذته قرار صائب وقرار موفق مائة بالمائة، وعليك أن ترسلي للأخ رسالة وتقولي له (إن الذي بيننا ليس شرعيًا، وعليك أن تصبر، وأن تحتسب أجرك عند الله تعالى حتى تعود سالمًا غانمًا بعد نهاية دراستك، وسوف تتقدم لوالدي، وهناك تبدأ الإجراءات وفق شرع الله تعالى).

أما كونه لا يجد أحدًا يتكلم معه أو يتفاهم معه، فهذه ليست قضيتك أنت، هذه قضيته شخصيًا، ثانيًا: لعله لم يبحث حتى يجد، ولعله وجد، ولكنه لم يمل إليهم قلبيًا كما مال إليهم قلبيًا، وهذه قضية كما ذكرت لك تخصه هو شخصيًا وأنت لا دخل لك فيها، فليس من حقي أن أساعد إنسان في حل مشكلته على حساب ديني، أو على حساب أخلاقي أو قيمي أو مبادئي.

فهذا لم يأمر به الله تبارك وتعالى، ولا يوافق شرع الله، بل لا يوافق العرف، ولا المنطق، ولا الشرع، لكن أساعده بالقدر الذي لا يُلحق بي ضررًا، أما إذا كان هذا الأمر سيُلحق بي ضررًا فلا يجوز لي أن أساعده في هذه الحالة؛ لأن هذا يعتبر إعانة على معصية الله تعالى وتعاون على الإثم والعدوان.

أضرب على ذلك مثالاً: رجل الآن يرى إنسانًا يغرق في البحر، وهو يقول أنقذوني أنقذوني، أمامه رجل خارج البحر، ويريد أن ينقذه، ولكنه لا يعرف السباحة، فإذا نزل في الماء قد يغرق هذا، وينجو الثاني، وقد يغرقا معًا، هل يجب عليه أن ينزل البحر، وهو يعلم أن هناك هلاك محقق؟

العلماء بالإجماع يقولون لا، لا يجوز ذلك أصلاً، فهذا الرجل الآن يريد أن يتكلم معك كلامًا حتى وإن كان في حدود الضوابط الشرعية – كما تقولين – ولكن من أدراك أن هذه الضوابط الشرعية ستستمر إلى نهاية الأمر، ومن أدراك أن هذه الضوابط الشرعية دقيقة، قد يكون علمك قليل، وأنت لا تعلمين الأحكام الشرعية لكل عبارة تخرج، ولكل لفظ يصدر، خاصة وأن الله تبارك وتعالى وضع قيودًا شديدة جدًّا على الخطاب، فقال سبحانه: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} وقال - صلى الله عليه وسلم - : (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله) وفي رواية (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي بها بالاً، فيهوي بها في النار سبعين خريفًا).

فأنا أرى أن تعتذري للأخ، وأن تقولي له (عليك بالصبر الجميل، وحاول أن تتواصل مع إخوانك الرجال الصالحين الثقات، ويستحيل أنه لا يوجد بلد فيه أناس صالحين، ولكن حاول وستجد بإذن الله تعالى، وإن لم تجد، فاصبر واحتسب، لأن العام الدراسي أوشك على النهاية بإذن الله) حتى وأن والدك أذن لك أن ترسلي له عبر النت، فهذا ليس معناه أن هذا أمر شرعي، لأنه ليس من حق والدك أن ينسخ شرع الله تعالى، ولا أن يأمرك بما يخالف شرع الله، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: (إنما الطاعة في المعروف)، وقال أيضًا: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

وعليه فلو أن والدك أذن لك، فهذا ليس من حقه، لأن هذا شرع الله الذي لا يخضع لأهواء الناس، ولا لأعرافهم، ولا لرغباتهم، ولا لهواهم النفسي، وإنما هذا أمر ينبغي علينا أن نلتزم شرع الله تعالى.

فقرارك صائب وموفق وتمسكي به، واعلمي أن الله سيكرمك ببركة طاعتك له، فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ونسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير حيث كان ثم يرضيك به. هذا وبالله التوفيق.

www.islamweb.net