بعد رفضها لي صرت أعيش في نوبة من الخمول والاكتئاب

2018-03-12 05:14:45 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم يا دكتور.

أرجو أن يتسع صدرك وبالك لمشكلتي، أنا شاب عمري 22 سنة، مقبل على التخرج من الكلية بعد عدة أشهر -إن شاء الله- منذ فترة قريبة نويت خطبة إحدى زميلاتي في الكلية، ولكنها رفضت -والحمد لله- ومن ساعتها -يا دكتور- وأنا في دوام من الخمول والاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس لم أعهدها على نفسي من قبل، ولا يوجد لدي طاقة لأي شيء، سواء مذاكرة أو خروج مع أصدقائي، وحتى الصلاة في المسجد، لم أعد أستطيع النزول إليها، بل وقطعت الصلاة في البيت أيضاً.

أنا تائه جدا -يا دكتور- ومحبط، لأني كنت أرسم صورة محددة لفتاه أحلامي، إضافة إلى أني مرعوب من المستقبل وما تحمله لي الأيام، من أني لا أستطيع إيجاد وظيفة مناسبة، أو أفشل في حياتي، مع أني أحسن الظن بالله كثيرا، ولكن الطبع البشري غلاب.

متى سيخف مرضي يا دكتور؟ فأنا لي سنة ولا أحس بتقدم، ومسحت جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي، ولكن لا جديد أيضا.

انصحني وادعُ لي، وشكرا جزيلا.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

قرأت رسالتك –أخي الفاضل– وأحزنني ما تضمنتها من مشاعر الاكتئاب والإحباط ونحوهما لديك, وأشكر لك حسن ظنك وتواصلك مع الموقع, حيث ولاشك أن كتابتك للرسالة دليل على توفر القوة لديك والحرص على التخلص من مشكلتك وآلامك وعدم استسلامك لحالة المرض لديك, وهو مؤشر جيد وبداية الشفاء -بإذن الله تعالى-.

ما تشكوه وتعانيه –أخي العزيز– من مشاعر الحزن والخمول والإحباط والاكتئاب وعدم الثقة في النفس هي ولاشك نوع من الأعراض النفسية التي تفشّت في مجتمعاتنا اليوم، بسبب كثرة الضغوط والأزمات المتنوعة الاجتماعية وغيرها -كالتي ذكرتها- بسبب رفض زميلتك لخطبتك.

ومما يسهم في معالجة هذه المشاعر النفسية والسلبية والمحبطة لديك, ضرورة استحضار حقيقة أن الحياة الدنيا طُبعت على الابتلاء (لقد خلقنا الإنسان في كبد), وأن الراحة التامة إنما هي في الجنّة فحسب, وأن تستحضر فضيلة الصبر على البلاء (إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب), وفي الحديث (أشد الناس بلاءً الأنبياء, ثم الأمثل فالأمثل... فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة), فابتلاؤه سبحانه وتعالى إنما هو لحكمة من رفع الدرجات وتكفير السيئات وزيادة الحسنات, حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم, وإن عظم الجزاء مع عظم البلاء) , فالحياة طبعت على الابتلاء والامتحان, وما الراحة المطلقة والكاملة إلا في الجنة, قال تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) (ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين..) , وكذا استحضار فضيلة الشكر للنعماء, وما أكثر نعم الله تعالى علينا (وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلومٌ كفّار).

فلنتذكّر أننا إذا فقدنا أو حُرمنا أشياء فقد منحنا الله تعالى نعماً كثيرة, لو لم تكن إلا الإسلام والعقل والعافية والأهل لكفى (وأما بنعمة ربك فحدِّث) وتيقن أن كل محنة وفتنة في طيّهما المنحة والنعمة, جزاءً من الرب للعبد على رضاه وصبره, كما أن الإنسان كثيراً ما يجهل عاقبة أمره ومصلحته (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (لا تحسبوه شرّاً لكم بل هو خيرٌ لكم), فما يدريك فلعل الله تعالى صرف عنك هذه الفتاة لمصالح في دينك ودنياك ومعاشك وعاقبة أمرك, فسلّم أمرك لله وأحسن الظن به وارضَ بقضائه وقدره, وكل ذلك مرهون بكمال علمه وحكمته (وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيما).

ومما يسهم في تقوية وتعميق الإيمان ويستجلب عون وتوفيق الرحمن وطرد وساوس النفس والهوى والشيطان وتحصيل السعادة والأمن والاستقرار النفسي والاطمئنان, حسن الصلة بالله تعالى ومعرفته ولزوم طاعته وذكره ودعائه سبحانه وتعالى والرضا بأقداره المؤلمة, قال تعالى : (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه).

فالتحلّي –أخي العزيز– بالمزيد من الصبر والمجاهدة للنفس والهوى والشيطان, (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين), والتحلّي بقوة الإرادة والعزيمة والحزم والعزم والتصميم والإصرار والثقة في القدرة على النجاح وتجاوز كل العوائق والتحديات, وإن استرجاع الثقة والطاقة والحيوية وتحسين المستوى الدراسي والنفسي, يحتاج لعوامل التحلّي بالشجاعة ومرور الزمن وتعزيز الثقة فحسب (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين), فاطرح مخاوفك جانباً, وتغلب على شكوكك واطرد الأفكار السلبية وصفِّ ذهنك وتحرر من القلق والشعور بالضعف والضياع, وعش حاضرك ومستقبلك بكل ثقة وأمل وقوّة واستثمر طاقتك وحياتك بصورة أفضل وأكثر إيجابية وطوّر مهاراتك الاجتماعية والعلمية.

لزوم الصحبة الصالحة والطيبة, والمبادرة في تحصيل الزوجة الصالحة والمناسبة شريطة الاستخارة والاستشارة وعدم التعجُّل في الاختيار, وأن تكون وفق معايير الشرع في التحلي بحسن الدين والخلق والأمانة، فالصديق الصالح والزوجة الصالحة عوامل مؤثّرة في المناصحة في الخير والمؤانسة من الوحشة والمدافعة للضيق والهموم والاكتئاب والأحزان, وقد صح في الحديث : (المرء على دين خليله, فلينظر أحدكم من يخالل), ولا ينبغي – حفظك الله – أن تستعجل قدرك لاسيما وأنك مازلت في مقتبل العمر, كما أن كثيراً ما يكون الإعجاب مجرّد نزوة عابرة وليس عن رسوخ وتحقيق.

كما ومما يسهم في التنفيس عن الضغوط ومشاعر الضيق والاكتئاب, ممارسة الهوايات المحببة لديك, ومنها الاشتراك في نادٍ للرياضة, والإسهام في أنشطة اجتماعية, وفي بعض النزهة وزيارة من تحب من الأصدقاء وتنمية المواهب والثقافة ومتابعة المحاضرات والدروس والبرامج المفيدة, والقراءة في السيرة النبوية وسير العظماء والصالحين, والتأمل والاعتبار في سِيَر الناجحين, والتأسي والاقتداء بهم، قال الشاعر:
فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم ** إن التشبّه بالكرام فلاحُ

ومن المفيد قراءة الكتب التالية : (لا تحزن) للشيخ عائض القرني, (استمتع بحياتك) للشيخ محمد العريفي, (جدد حياتك) للشيخ محمد الغزالي رحمه الله.

أنصحك بلزوم الرقية الشرعية, وذلك بالإكثار من الذكر والعمل الصالح ومنها الصلاة وقراءة القرآن (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيّبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).

وأوصيك بمراجعة طبيب نفسي مختص إن كان له داعٍ؛ لتوفير العلاج النفسي والسلوكي والمعرفي والدوائي إن لزم؛ فإن النفوس تمرض كما تمرض الأبدان لعوامل ضغوط الحياة المختلفة (وفي أنفسكم أفلا تبصرون), وفي الحديث : (تداووا عباد الله ؛ فإن الله ما أنزل داءً إلا جعل له دواءً..).

ولا أفضل وأجمل من اللجوء إلى الله تعالى بالإلحاح عليه بالدعاء, متحيّناً أوقات الإجابة, حيث قال تعالى : (وقال ربكم ادعوني استجب لكم) (أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء).

أسأل الله تعالى بفضله وكرمه أن يمنّ عليك بما يحب ويرضى, ويسعدك في الآخرة والأولى بالعفو والعفّة والعافية والزوجة الصالحة والنجاح في حياتك عامة ويرزقك الحياة السعيدة والآمنة والمطمئنة في الدنيا والآخرة, والله الموفق والمستعان.

www.islamweb.net