تعبت من كثرة المشاكل بين أبي وأمي، فماذا أفعل لأصلح بينهما؟
2026-08-10 03:53:05 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أكتب رسالتي وعيناي تفيضان دمعاً وأسى على حال أمي وأبي ومشاكلهما التي لا تنتهي!
أمي باتت لا تطيق العيش مع أبي، وبينهما مشاكل منذ قديم الزمان (تراكمات لم تُحل ولم يتم التناقش فيها)؛ لأنهما بكل صراحة يفتقدان لغة الحوار. أبي لا يهتم برأي أمي، وأمي تشعر بالحرج أمام الناس؛ لأنها كـ "الأطرش في الزفة"، والرأي يعود لأبي كاملاً دون أي تدخل منها [تقول إنه أناني].
وأمي تشعر بالإهانة من أسلوب أبي، وأنه يحقرها أمام الناس، "وأن جميع الرجال من حولنا يتنافسون لإرضاء زوجاتهم، أما هو فيتفنن في إهانتها"، وتشعر بقلة التقدير معنوياً ومادياً؛ فهي ترى أنها تدفع من مالها الخاص وهو لا يُقدّر ذلك، ويرى أنها إما أن تدفع أو لا تعمل بالأساس.
تُراكم أمي ما تمر به، وتدمع عيناها قبل النوم، ثم بعدها تنفجر وتُخرج غضبها بالصراخ، وأحياناً تكاد تفقد عقلها. يهدد أبي أمي بالطلاق أو الزواج عليها، فتجنّ أكثر، ومؤخراً -وللأسف- أحياناً يصل الموضوع إلى مدّ اليد والتهديد به، لأول مرة أرى هذا منذ ١٩ سنة!
أبي يرى أمي "وقحة"، وأنها ترفع صوتها على زوجها وتتطاول عليه عندما تغضب، وأنها تَمُنُّ عليه بالنقود التي تدفعها من راتبها (وهي حوالي ٦٠%)، ويرى أنها امرأة عنيدة ولا جدوى من النقاش معها، كما أنه يشعر بالغربة بين أهلها وأنه يُعامل كشخص غريب.
بمجرد أن يغضب يفرغ غضبه، أو يتمالك نفسه ويخرج من البيت؛ فلا يحدث إلا جدال عقيم، ولا تتاح الفرصة للحوار الذي يحل المشاكل، وصدقاً لو لم يفعل هذا لجن جنونه وفقد أعصابه، فهو عندما يغضب لا يرى أمامه.
كيف أتدخل أنا؟ وماذا أستطيع أن أفعل؟ أمي تطالبنا بالتدخل، وتؤكد أننا إذا لم نتدخل ستهدم هذه الأسرة! تقول إننا نصمت عن إهانتها ولا نتدخل بالحق والإصلاح، ماذا أفعل بالله عليكم؟ أكاد أجن ولا أعرف كيف أتصرف! أكتفي برؤيتهم في حالتهم المزرية ومالي إلا الدموع تعبر عن مدى عجزي، فإذا دافعت عن أحدهما غضب الآخر، وإن بيّنت أي شيء لأي طرف يظن أني متآمرة عليه.
أرجوكم ساعدوني قبل تفكك هذه العائلة وضياع أفرادها، بارك الله فيكم، وعاونوني على حل هذه المشكلة، وأنا مستعدة في أي وقت للنقاش المفصل مع حضراتكم لإيجاد أفضل تصرف وحلول، وكتبها الله في ميزان حسناتكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ديما حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يصلح حال والديك، وأن يؤلف بين قلبيهما، وأن يحفظ أسرتكم من الفرقة والشتات، ويجعل لكم من كل ضيق مخرجًا.
فأول ما نحب أن نقوله لك أننا تفهمنا ما في رسالتك تمامًا، وتفهمنا هذا الألم، فليس من السهل على الابنة أن ترى بيتها الذي نشأت فيه يمتلئ بالصراخ، والخصومات، والتهديد بالطلاق، وأن ترى أمها تبكي، وأباها يغضب، ثم تقف بينهما لا تدري كيف تصلح، حتى تشعر أنها تحمل على كتفيها مصير الأسرة كلها.
لكن قبل أن نتحدث عن الحلول، نريد أن نطمئنك إلى أمر مهم، وهو أنك لست المسؤولة عن إصلاح زواج والديك، فأنت ابنة، ولست حكمًا بين زوجين، ولا معالجة أسرية، ولا مطالبة بحل تراكمات عمرها عشرات السنين، ولذلك لا تحملي نفسك ما لا تطيق، فإن كثيرًا من الأبناء ينهارون نفسيًا؛ لأنهم يظنون أن بقاء الأسرة أو انهيارها متوقف على تصرف واحد منهم.
ثم إننا نلحظ من رسالتك أن المشكلة ليست حادثة عابرة، وإنما تراكمات قديمة لم تجد طريقها إلى الحوار، حتى أصبحت كل مشكلة جديدة تستحضر معها عشرات المشكلات القديمة، فلا يعود الخلاف على سبب واحد، بل على تاريخ طويل من الجراح التي لم تلتئم.
ويبدو أيضًا أن كلًا من والديك ينظر إلى القضية من زاويته الخاصة، فوالدتك تشعر بأنها لا تسمع، ولا يقدر رأيها، ولا تحظى بالتقدير الذي تتمناه، وترى أن ما تقدمه من مال وجهد لا يقابل بالامتنان، وأنها تعيش سنوات من الإهمال المعنوي قبل المادي.
وفي المقابل، يشعر والدك أن رفع الصوت عليه، ومجادلته عند الغضب، وتذكيره بما تدفعه والدتك من مال، يفقده مكانته داخل أسرته، وأن الحوار وقت الغضب لا يزيد الأمر إلا اشتعالًا، ولذلك ينسحب أو يخرج من المنزل حتى لا يتفاقم الموقف.
ولا يعني هذا أن أحدهما مصيب في كل شيء، أو مخطئ في كل شيء، وإنما يعني أن كلًا منهما ينظر إلى جزء من الصورة، ولا يرى الصورة كاملة، ولهذا فإن أول خطوة في الإصلاح هي أن يتوقف كل طرف عن محاولة الانتصار لنفسه، وأن يبدأ بمحاولة فهم الطرف الآخر.
أما عن دورك أنت، فننصحك بالآتي:
- لا تنحازي إلى أحد والديك أمام الآخر، فإن شعور أحدهما بأن أبناءه أصبحوا في صف الطرف الآخر يزيد الجرح اتساعًا.
- كوني بارة بوالدتك، وكوني بارة بوالدك، من غير أن تتحولي إلى ناقلة للكلام بينهما، فإن نقل الكلمات وقت الخلاف يزيد النار اشتعالًا.
- إذا جاءت والدتك تشكو، فاستمعي إليها، وخففي عنها، لكن لا تجعلي كل شكوى تنتقل إلى والدك، والعكس كذلك.
- إذا رأيت وقتًا يكون فيه والدك هادئًا، فتحدثي إليه أولًا عن حبك له وأنك مطمئنة لأن وجوده كاف في إصلاح أي شيء، ثم ذكريه برفق بفضل الإحسان إلى الزوجة، وحسن عشرتها، من غير اتهام ولا محاسبة.
- وإذا وجدت والدتك في حال هدوء، فشجعيها على اختيار الوقت المناسب للحوار، فإن كثيرًا من المشكلات لا يحلها مضمون الكلام، وإنما يحلها حسن توقيته.
إن كان في الأسرة شخص حكيم يحترمه الطرفان، كأحد الأقارب أو أهل العلم أو كبار الأسرة، فليتدخل للإصلاح؛ لأن بعض المشكلات تجاوزت أن يحلها الأبناء وحدهم، وإن تعذر ذلك، فاقترحي عليهما -إن أمكن- الاستفادة من مستشار أسري موثوق، فكثير من المشكلات الزوجية لا تحتاج إلى حكم شرعي جديد، وإنما تحتاج إلى من يعلم الزوجين كيف يتحاوران.
ونحب أن نلفت نظرك إلى أمر مهم، وهو أن كثيرًا من البيوت لا تنهدم بسبب المشكلة نفسها، وإنما بسبب تراكم المشكلات من غير حوار، حتى تصبح أبسط كلمة شرارة تعيد إشعال سنوات طويلة من الألم، ولذلك فإن علاج هذه الأسرة لن يكون بحل موقف واحد، وإنما بإعادة بناء لغة الحوار، وإحياء الاحترام المتبادل، وإيقاف أسلوب التهديد بالطلاق أو الزواج، وترك الإهانة، فإن هذه الأمور لا تحل مشكلة، بل تضيف إلى المشكلات مشكلات جديدة.
ختاماً: نوصيك بأمر قد يكون أعظم أثرًا مما تتوقعين، وهو كثرة الدعاء لهما في أوقات الإجابة، فإن القلوب بين يدي الله، وهو سبحانه قادر أن يصلح في لحظة ما تعجز عنه سنوات من المحاولات.
نسأل الله أن يؤلف بين قلبي والديك، وأن يصلح ما بينهما، وأن يذهب عن بيتكم أسباب الشقاق، وأن يجعل المودة والرحمة تعود إلى أسرتكم، وأن يرزقكم جميعًا السكينة والاستقرار، والله الموفق.