أحاول بر أمي لكن كلامها في حق الدين يؤلمني بشدة
2026-09-27 02:22:31 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بداية يؤسفني جدًا ويحزنني أن أطرح مثل هذا، لكنني أبحث عن التوجيه الشرعي، والأسلوب الأمثل.
والدتي -غفر الله لها- عند أدنى أسباب الغضب أو العصبية، تسب الدين -والعياذ بالله-، وتسب الربّ على أي شيء لا يعجبها، وغير ذلك فهي لا تصلي، وقد وصل بي الحال حتى صرت أتجنب مراسلتها، وأتجنب الاتصال بها،؛ لأنني أدرس خارج البلاد، وفي العطلة أعود، ولكن أشعر برغبة في عدم العودة؛ لأنني كثيراً ما أستمع منها لسبّ الربّ، وسبّ الدين، وسبّ النبي صلى الله عليه وسلم.
وجزاكم الله خيراً.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الابن الفاضل/ ناصر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكَ تواصلكَ بالموقع؛ فنحن سعداء بهذا التواصل، وبما تطرحه من إشكالات شرعية تطلب فيها التوجيه الشرعي، ونأمل -إن شاء الله- أن نُوفَّق لأن نبذل لك ما فيه إعانة ونصح وتوجيه.
نشكر لك -أيها الحبيب- مشاعرك تجاه أمك، وخوفك عليها، وغضبك من هذه الأفعال السيئة التي تفعلها؛ ونسأل الله تعالى أن يجعلكَ مفتاح هدايةٍ لها، ويرزقك برها، والإحسان إليها.
ولا شك أن ما تفعله أمُّك أمر عظيم وذنب كبير، ولكن إذا كانت في حالة غضب يفقدها الوعي، وتفقد معه الإدراك؛ بحيث لا تدري ما تقول؛ فإنها -إن شاء الله- غير آثمةٍ بما يصدر منها، أمَّا إذا كانت تعي ما تقول؛ فإن هذا ذنب عظيم لا شك ولا ريب، ولكن ينبغي -أيها الحبيب- أن تسعى أنت لتكون سببًا في تغييرها وإصلاحها.
ولا شك ولا ريب أنها تحبك؛ فإن هذا أمر فطر الله تعالى عليه الأمَّهات؛ فينبغي أن تستغل أنتَ هذا الحب في محاولة توجيه الأم وصرفها عن هذه الأخلاق، وذلكَ من خلال اتباع أدوات التأثير التي يمكن أن تُؤثِّر بها عليها؛ أول هذه الأدوات والأسباب:
• أن تراسلها بأدبٍ ورحمةٍ وتكلمها بذلٍ؛ كما قال الله عز وجل: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}؛ أي بسبب الرحمة؛ فإذا كلَّمتها بهذا النوع من الكلام وبهذه الطريقة؛ فإن هذا سيترك أثرًا في نفسها؛ فالكلمة الطيبة تُؤثِّرُ في النفوس أثرًا عظيمًا، ولذلكَ أخبر الله تعالى بأنها تُحوِّل العدوَّ صديقًا.
• حاول أن تظهر لأُمِّك حبك لها وحرصك على الخير لها وأنك تخاف عليها، وليكن هذا الكلام في أوقات هدوئها وراحتها، واستعدادها لتقبل منك الكلام.
• وإذا قدرتَ بجانب هذا الكلام أن يكون مصحوبًا بالإحسان المادي إليها؛ بأن تُعطيها هديةً -إذا كنتَ تقدر على ذلكَ-، وتواسيها في حاجتها إذا كانت تحتاج، وتُنفق عليها إذا كنتَ قادرًا على النفقة، ونحو ذلكَ من أنواع الإحسان؛ فإن النفوس مجبولةٌ على حب من أحسن إليها والتأثر به.
• ثم بعد ذلكَ ينبغي أن تبيِّن لها بهدوءٍ أيضًا عواقب هذه الكلمات التي تقولها، وبيِّن لها بأنك تُدرك أنها تُحبّ الله ولكنها تستسلم للغضب؛ فحاول أن تُحذِّرها من هذا الفعل، وأنه وإن وقع عند الغضب، إلَّا أن الإنسان مأمورٌ بأن يسيطر على غضبه، وألَّا يسمح للغضب بأن يذهب به نحو ارتكاب المحرمات، فحاول أن توصل إليها هذه الكلمات بلطفٍ ولينٍ؛ فلعل الله تعالى أن ينفعها بكَ.
• وانصحها -أيها الحبيب- أيضًا بأن تتجنب الأسباب التي تؤدي إلى الغضب؛ ما دامت تعرف من نفسها أنها تقع في منكراتٍ عظيمةٍ ومخالفاتٍ جسيمةٍ إذا غضِبَتْ؛ فينبغي لها أن تجاهد نفسها بتجنب مواطن الغضب؛ فقد جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ يطلب منه الوصية، فقال له: «لَا تَغْضَبْ»، فطلب منه مرةً ثانيةً، فقال: «لَا تَغْضَبْ»، ففعل ذلكَ ثلاث مراتٍ؛ وهذا الحديث في صحيح البخاري.
ومعنى «لَا تَغْضَبْ» -كما يقول العلماء-: أي لا تفعل الأشياء التي تكون سببًا للغضب، لا تتعاط الأسباب التي تؤدي بك إلى الغضب، ومعنى «لَا تَغْضَبْ» أيضًا: أي إذا غضبتَ لا تستسلم لهذا الغضب؛ فتتركه يتصرف فيك.
فحاول أن توصل هذه المعاني إلى أُمِّك، وحاول الاستعانة بمن له قدرة على التأثير عليها من الأقارب، وأكثر من دعاء الله تعالى لها؛ فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء؛ فلا تيأس من أن الله تعالى يصلحها، واعلم أن الله تعالى قدير على أن يغير حالها.
واحذر -أيها الحبيب- من الإساءة إليها أو التقصير في حقوقها تحت مبرر أنها تفعل هذا المنكر العظيم؛ فقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين مهما بلغت جنايتهما؛ فقال سبحانه وتعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
فإذا فعلت ما تستطيعه؛ فلا ينبغي أن يضيق صدرك، وتتكدر حياتك، واعلم أن الله تعالى هو المقسّم لأرزاق الدنيا والآخرة، وهو -سبحانه وتعالى- الهادي؛ يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وقد قال الله -سبحانه وتعالى- للنبي: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}، فأكثر من دعاء الله تعالى لأُمّك، وحاول الإحسان إليها بما تقدر عليه.
نسأل الله تعالى أن يجعلك سببًا للخير ومفتاحًا له.