الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإسلام والرق
رقم الفتوى: 12210

  • تاريخ النشر:الإثنين 16 شوال 1422 هـ - 31-12-2001 م
  • التقييم:
54569 0 523

السؤال

1-لما ذا لم يقض الإسلام على العبودية؟ فقد كان المسلمون في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم يرغمون سجناء الحرب على أن يصبحوا عبيداً وقد بلغ بهم الأمر أن أصبحوا يعاملون سبايا النساء كغنيمة، بل إن القرآن أعطى رجال المسلمين الحق في معاملتهن كملك اليمين من حيث الدخول بهن(انظر سورة النساء) فلماذا هذا؟ وهل ما زال ذلك التعامل جائزاً؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فعلى العبد أن يتذكر دائما أنه عبد مربوب لا يملك من أمر نفسه شيئاً، فسمعه وبصره وعقله وإدراكه ويده ورجله وكل أعضائه بيد الله، تتحرك بأمر الله لا بأمره، ففي حال نومه ويقظته وشغله وراحته ينبض قلبه ويتحرك ولو توقف لهلك هذا الإنسان، هذا في نفسه هو، أما لو نظر إلى انتظام الكواكب في مداراتها والمجرات في أفلاكها، وهي تسير جميعاً بحكمة بالغة ودقة محكمة لعلم الحقيقة التي لا شك فيها وهي: أن لله في أفعاله الحكمة البالغة، وأن أفعاله تعالى لا تخرج عن الحكمة قيد أنملة، ولا أقل من ذلك، فإن جاء الشيطان بعد كل هذا ليقذف الشبه في قلب المسلم فعلى المسلم أن يستعيذ بالله من الشيطان وكيده ووسوسته، وعليه أن يتوجه إلى أهل العلم لسؤالهم. أما بشأن ما ورد في السؤال فنقول:
جاء الإسلام والرق شائع في أمم الأرض منذ أزمان قديمة، ولا فرق عند تلك الأمم بين أن يؤخذ الرقيق في حرب مشروعة، وبين أن يؤخذ فى عدوان ظالم، أو احتيال على أخذ الحر غدراً وخيانة، وأكل ثمنه، فضيق الإسلام هذا الباب، وشدد في حرمة بيع الحر، واسترقاقه، وحصر دائرة الرق فيما أخذ من طريق الجهاد المشروع، ثم نظم الإسلام هذه العلاقة بين العبد والسيد، فأوصى الله تعالى السادة بالعبيد آكد وصية أن يحسنوا إليهم، كما يحسنون إلى آبائهم وأمهاتهم وأقاربهم، وأن يطعموهم مما يأكلون، ويلبسوهم مما يلبسون، وأن لا يكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، قال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً)[النساء: 36] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم" والحديث في صحيح مسلم وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة سيئ الملكة" فقال رجل: يا رسول الله أليس أخبرتنا أن هذه الأمة أكثر الأمم مملوكين وأيتاماً؟ قال: "بلى، فأكرموهم كرامة أولادكم، وأطعموهم مما تأكلون" والحديث في المسند وغيره عن أبي بكر الصديق. وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود البدري قال: كنت أضرب غلاماً لي بسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: "اعلم أبا مسعود" فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقول: "اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود" قال: فألقيت السوط من يدي، فقال: "اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام" قال: فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً. رواه مسلم.
وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل.
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه ستر الله عليه كنفه، وأدخله جنته: رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، وإحسان إلى المملوك" رواه الترمذي، وقال حسن غريب.
بل إن من آخر ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة وملك اليمين(العبيد) ففي المسند وسنن ابن ماجه وغيرهما عن أنس قال: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى، جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه.
وفي المقابل أوصى العبد بطاعة سيده، والقيام بحقه، ووعده على ذلك أجراً مضاعفاً، كما في الصحيحين عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة يؤتون أجورهم مرتين: الرجل تكون له الأمة فيعلمها ويحسن تعليمها، ويؤدبها فيحسن تأديبها، ثم يعتقها فيتزوجها فله أجران، ومؤمن من أهل الكتاب الذي كان مؤمناً ثم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فله أجران، والعبد الذي يؤدي حق الله تعالى، وينصح لسيده.."
وإضافة إلى ما قلناه من أن الإسلام ليس هو الذي جاء بالرق، وأنه نظم العلاقة بين السادة والعبيد، فإنه قد فتح الباب على مصراعيه للعتق ورغب فيه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار" وقال تعالى: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)[النور: 33] وفي المسند عن سهل بن حنيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعان مجاهداً في سبيل الله أو غارماً في عسرته أو مكاتباً في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وقد جعل الله جزءا من الزكاة -التي هي ركن من أركان الإسلام- مخصصاً لهذا الغرض، وقد جعل الله عتق الرقاب كفارة لأمور تحدث كثيراً، فكفارة قتل الخطأ عتق رقبة، وكفارة الظهار عتق رقبة، وكفارة الأيمان عتق رقبة، وكفارة من أفطر في رمضان متعمداً عتق رقبة، وبهذا تعلم أن الإسلام يتشوق إلى الحرية ويتطلع إليها، وتشريعاته تتضمن ذلك، وتعلم الطريقة التي يريد الإسلام أن يقضي بها على العبودية بدون قسر ولا قهر، ولا تداعيات وآثار سلبية، ونحن على يقين بأنه لو ظل سلطان الإسلام الصحيح قائماً في الأرض لاضمحلت هذه الظاهرة أو كادت، ولكان ما بقي من الرقيق يساوي بين بقائه رقيقاً وعتقه، وذلك لما يوليه الإسلام له من عناية ويحض على حسن معاملته.
وقد سبقت أجوبة لنا في هذا الموضوع فيها بعض الفوائد لم تذكر هنا فإليك أرقامها لتراجعها إن شئت:
4492 5730 4341
والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: