الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صدم شخصين ولم ينقذهما
رقم الفتوى: 130152

  • تاريخ النشر:الثلاثاء 28 ذو الحجة 1430 هـ - 15-12-2009 م
  • التقييم:
2579 0 385

السؤال

أرجو من الإخوة الكرام إفتائي في هذا الموضوع ؛ لقد كنت مسافرا ليلا رفقة والدي ففوجئنا بدراجة نارية وسط الظلام دون مصابيح، وعند إطلاق المنبه ما كان من سائقها الذي يسير على اليسار إلا أنه انعطف يمينا في اتجاهنا لنقوم بصدمه هو ورفيقه، وفي حالة من الهلع وبمعرفتي عدم توفرنا على تأمين للسيارة، قلت لوالدي بضرورة الانصراف علما أن حصول حادثة دون حيازة التأمين قد يؤدي إلى السجن، فأزحت الرجل وقمنا بالانصراف، لكن بعد ذلك أصبحت تساورني شكوك حول حياة الرجلين، علما أننا لا يمكن أن نتحقق مما حدث الآن بفعل عامل التقادم.إن أملي أن تفتوني في الذي يتوجب فعله للتكفير عن الخطأين، و جزاكم الله خيرا إخواني؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقد ذكر في السؤال أمران أحدهما الصدام الذي حصل بسبب انعطاف صاحب الدراجة أمامكم حتى اصطدمتم به والثاني انصرافكم عن الشخصين المعطوبين من دون سعي في إسعافهما وإنقاذهما.

 فأما عن مسألة الحادث فان كان صاحب الدراجة انعطف عليكم ولم يمكنكم تفادي الحادث، وكنتم وقت ذلك ملتزمين بضوابط المرور وقواعد السير فلم تتجاوزوا السرعة المحددة في مثل حالكم، ولم تسيروا في مسار لا يجوز لكم السير فيه، فالأصل أنه لا مؤاخذة عليكم فيه للقاعدة الفقهية : ما لا يمكن التحرز عنه فلا ضمان فيه.

 وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: إن كان السائق مفرطا في سيره، أو له سبب في حصول الحادث كمخالفة للسير، أو سرعة، أو نعاس، ونحو ذلك، أو إهمال للسيارة، وضرورة تفقد أسباب سلامتها، فعليه كفارة القتل عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، أما إذا لم يكن له تسبب بوجهٍ ما في وقوع الحادث فلا شيء عليه. اهـ .

وقد ذكرنا في فتاوى سابقة ما قرره مجمع الفقه الإسلامي من أن السائق مسؤول عما يُحدثه بالغير من أضرار، سواء في البدن أم المال، إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر، ولا يعفى من المسؤولية إلا في الحالات التالية:

  1- إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها، وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.
2- إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة.
3- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه، فيتحمل الغير المسؤولية.
و إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر، كان على كل واحدٍ منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال.
ويتبين من هذا أن الأصل ضمان القائد، تعدى أم لم يتعد، لكن إذا كان فعل المتضرر فعلاً مؤثراً قوياً في موته، كالمنتحر الذي يُلقي بنفسه أمام القطار، فالقائد معفوٌ عنه في هذه الحالة،  وكذلك إذا كان القائد لا يستطيع أن يتلافى الحادث مهما فعل، فيكون المتضرر (الذي أصابه الحادث) قد مات بقوة قاهرة لا يستطيع القائد دفعها، فلا شيء على القائد بناء على قاعدة (مالا يمكن التحرز عنه لا ضمان فيه).
اهـ. 

وإذا كان في الإمكان تجنب الحادث من طرفكم ولكنكم لم تفعلوا أو كنتم قد تجاوزتم السرعة المحددة، فإن عليكم تحمل ما ينتج عنه، فان مات الرجلان بسبب ذلك فيلزم أمران:

 الأول: هو الدية عن كل مقتول وتحملها عاقلة القاتل، وقد تتوزع بين عائلتي السائقين إذا اشتركا في سبب القتل ويتم توزيعهما حسب حجم المشاركة في الخطأ الذي نجم عنه القتل.

والثاني: كفارة يؤديها السائق وهي عتق رقبة فان لم يجد لزم صيام شهرين متتابعين عن كل واحد.

 قال في مطالب أولى النهي: وتتعدد الكفارة بتعدد مقتول كتعدد الدية بذلك لقيام كل قتيل بنفسه وعدم تعلقه بغيره. والكفارة مبينة في كتاب الله، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.

وأما الظلام فلا أثر له ففي منح الجليل عند قول خليل المالكي: لا لخوف غرق أو ظلمة.

 قال الشيخ عليش: (أو) اصطدمتا بسبب (ظلمة) فلم يشعروا حتى اصطدمتا، فيضمنون كمصطدمين في البر لظلمة؛ لأن اصطدامهما بفعلهم وعدم شعورهم للظلمة لا يخرجهم عن الضمان كالخطأ. اهـ.

فعليكم أن تبحثوا عن القضية فقد تجدون في أرشيف الشرطة خبرا عن الرجلين هل ماتا أم لا؟ وما مستوى الضرر الذي حصل لهما لو لم يموتا، فان لم يمكنكم التحقق أو حصول غلبة الظن على أنكم مسؤولون عن الحادث فلا شيء عليكم فإن الأصل براءة الذمة ولا يكلف شخص أو يثبت عليه حق إلا بمحقق للقاعدة التي ذكرها صاحب أنوار البروق في أنواع الفروق، فقال: الدائر بين الموجب وغير الموجب غير موجب، لأن الأصل براءة الذمة حتى يتحقق الموجب. اهـ.

ومن أقر بشيء لا يلزمه إلا ما كان موقنا به كما قال الزركشي في كتابه  المنثور في القواعد: اليقين شرط الإقرار،  قال الشافعي رضي الله عنه: أصل ما أبني عليه في الأقارير اليقين وأطرح الشك ولا أستعمل الغلبة. اهـ.

وأما انصرافكم وعدم تقديم يد المساعدة للرجلين فهو خطأ عظيم وهو يعتبر موجبا للضمان عند من يقول بأن الترك فعل وهو مذهب مالك كما قال صاحب المراقي: والترك فعل في صحيح المذهب .

وفي الشرح الكبير للدرير ممزوجا بنص مختصر خليل:  ( وضمن ) ( مار ) على صيد مجروح لم ينفذ مقتله ( أمكنته ذكاته ) بوجود آلة , وعلمه بها , وهو ممن تصح ذكاته , ولو كتابيا ( وترك ) تذكيته حتى مات قيمته مجروحا لتفويته على ربه ........وشبه في الضمان قوله : ( كترك تخليص مستهلك من نفس أو مال ) قدر على تخليصه ( بيده ) أي قدرته أو جاهه أو ماله فيضمن النفس في الدية , وفي المال القيمة .......اهـ

 وقال الدسوقي في حاشيته : ( قوله : كل جرح إلخ ) أي فإذا جرح إنسان جرحا يخشى منه الموت سواء كان جائفة أفضت لجوفه أو غير جائفة, واقتضى الحال خياطته بفتلة خيط أو حرير وجب على كل من كان معه ذلك إذا كان مستغنيا عنه حالا ومآلا أو كان محتاجا له الثوب أو لجائفة دابة لا يموت بموتها أو كان معه الإبرة , وكان مواساة المجروح بذلك فإن ترك مواساته بما ذكر , ومات فإنه يضمن , ومحل الضمان ما لم يكن المجروح منفوذ المقاتل , وإلا فلا ضمان بترك المواساة , وإنما يلزم الأدب بتركها , والدية أو القصاص على الجارح كما أنه لو كان رب الخيط محتاجا له في نفسه أو دابة يموت بموتها وترك الإعطاء  حتى مات فإنه لا ضمان عليه لعدم وجوب المواساة عليه حينئذ . ( قوله : وترك فضل إلخ ) أي وترك إعطاء طعام فاضل وزائد عما يمسك صحته . وحاصله أن الشخص إذا كان عنده من الطعام أو الشراب زيادة على ما يمسك صحته , وكان معه مضطر فإنه يجب عليه مواساته بذلك الزائد فإن منع , ولم يدفع له حتى مات ضمن ...اهـ

وفي المسألة خلاف بين أهل العلم ففي الموسوعة الفقهية:  من أمكنه إنقاذ إنسان من الهلاك , فلم يفعل حتى مات . ومثال ذلك : من رأى إنسانا اشتد جوعه وعجز عن الطلب , فامتنع من رآه من إعطائه فضل طعامه حتى مات , أو رأى إنسانا في مهلكة فلم ينجه منها, مع قدرته على ذلك - فعند الحنفية والشافعية والحنابلة - عدا أبي الخطاب لا ضمان على الممتنع, لأنه لم يهلكه ولم يحدث فيه فعلا مهلكا, لكنه يأثم . وهذا الحكم عند الحنابلة إذا كان المضطر لم يطلب الطعام, أما إذا طلبه فمنعه رب الطعام حتى مات , فإنه يضمن في هذه الحالة ; لأن منعه منه كان سببا في هلاكه, فضمنه بفعله الذي تعدى به، وعند المالكية وأبي الخطاب يضمن , لأنه لم ينجه من الهلاك مع إمكانه . هذا ويلاحظ أنه يجوز للمضطر قتال من منع منه فضل طعامه, فإن قتل رب الطعام فدمه هدر, وإن قتل المضطر ففيه القصاص ; لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك. اهـ.

وبناء عليه فالأولى أن تسعوا في معرفة الشخصين ودفع العوض عما حصل لهما من الضرر بدفع الدية إن ماتا أو دفع أرش الجناية إن لم يموتا بسبب الحادث، فإن لم يتيسر التعرف عليهما وعلى خبرهما فأكثروا من الأعمال الصالحة وتوبوا توبة صادقة ولو أخرجتم قدر الديتين وتصدقتم به فهو أفضل.

وراجع الفتاوى التالية أرقامها : 35507 ،  114223، 55897.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: