الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم الهجر الجميل للأهل
رقم الفتوى: 152195

  • تاريخ النشر:الأحد 15 ربيع الآخر 1432 هـ - 20-3-2011 م
  • التقييم:
25100 0 501

السؤال

يقع علي ومنذ الصغر الظلم والاضطهاد من والدي وإخوتي وصدمت بأن أمي تتستر على ظلم إخوتي على حسابي ووصل بها الحال أن شهدت زورا لتظهر أنني ظالمة وتنصف أختي الكبيرة بغير حق، ومن جراء سوء المعاملة والتعذيب النفسي والجسدي الذي كنت أتجرعه والمكائد التي تحاك لي بسبب غيرة أخواتي الكبيرات مني ومن تفوقي عليهن سواء في القدرات، أو في الجمال قررت أن أقبل الزواج من أول شخص يتقدم لي للهروب من جحيم بيتنا وقد شاء الله أن يكون الزوج أكبر مني ب16عاما وفوجئت به بعد الزواج هو الآخر لا يتوانى عن إيذائي بشتى الطرق ولا يوجد بيني وبينه أي توافق من أي نوع لا فكري ولا ديني ولا سلوكي ولا أي شيء، فهو في واد وأنا في واد آخر، ويتصيد التوافه من الأمور ليجعلها عيبا يلصقه بي ولا يذكر محاسني أبدا، بل يتغير لون وجهه ويكفهر لو رأى مني ما هو حسن، أو جميل من خلق، أو صفات واكتشفت أنه معقد نفسيا ويشعر بالنقص، وكان يهجرني في الفراش لشهور تكاد تصل إلى العام ويضيق علي في كل شيء حتى ينكد عيشتي فقط لا غير وأرى ملامح الشماتة في وجهه كلما أحس أنه سبب لي أذى، ورغم محاولاتي إصلاح ما بيننا لسنوات عديدة وصبر مني إلا أنه لم يتغير شيء من معاملته، ضاقت بي الأرض بما رحبت وضاقت علي نفسي ولم أستطع الطلاق والعودة إلى جحيم بيتنا ولا العيش مع هذا الزوج الذي لا يخاف الله في فكرت في الانتحار مرارا ولكن بعدها شاء الله تعالى أن يهديني إلى طريقه وذقت حلاوة الإيمان كما لم أذقها من قبل وصرت أحب الخلوة مع الله ولا أريد رؤية مخلوق وأحاول أن أداوي جراحي بالتقرب إلى الله لكن مشكلتي الآن أني متضررة نفسيا لدرجة كبيرة وأصبحت تظهر أعراض هذا الضرر على سلوكياتي وكلامي وضعف قدراتي العصبية لدرجة أنني أظهر وكأنني مختلة عقليا أحيانا وأصاب بحالات انهيار نفسي بمجرد أن أحتك بأهلي وأزورهم، ولا زلت ألقى أذاهم إلى يومنا هذا وحالات الانهيار هذه تصيبني لأيام عديدة وأحيانا لشهور ـ بكاء ليل ونهار لا يكاد يتوقف وضعف جسدي حتى إنني لم أعد أسيطر على دموعي في أي مكان أكون فيه وحتى في الصلاة من فرط الألم، وكلما عالجت جزءا كبيرا من هذه المشاكل النفسية بالتقرب من الله تعالى ضاع مني جهدي بمجرد أن أحتك بهم وأتعرض لأذاهم، والسؤال: هل يجوز لي هجر أهلي ـ الهجر الجميل ـ يعني أصلهم فقط في المناسبات والأعياد؟ أرجو منكم النصيحة، علما بأن مشكلتي هذه لا يمكن أن أعرضها على طبيب نفسي، لأن أول من سيعيرني هم أهلي وزوجي وربما اتهمت بالجنون لمراجعتي أطباء نفسيين، وعذرا على الإطالة لكن كان لا بد أن أحيطكم علما بحالي ليتناسب جوابكم مع حالتي.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فنسأل المولى العلي القدير أن يفرج همك وأن يكشف كربك وأن يصلح لك أهلك وزوجك إنه على كل شيء قدير وكل أمر عليه يسير، ونوصيك بالاعتصام بالله وتوثيق الصلة به سبحانه فهو المجير لمن استجار به والمجيب لدعوة المضطرين وكاشف البلاء عن المستغيثين، قال سبحانه: وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ {المؤمنون: 88}. 

وقال أيضا: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ  {النمل:62}.

وعليك بالصبر فبه يتسلى المبتلى ويرفع بإذن الله إلى الدرجات العلى وتكفر ذنوبه وسيئاته، وتغفر له خطاياه وزلاته، وللمزيد فيما يتعلق بفضائل الصبر راجعي الفتوى رقم: 18103.

وينبغي أن يسود بين الأهل الوحدة والائتلاف لا الفرقة والاختلاف، فإن الشيطان حريص على تشتيت الشمل والتفريق بين الأحبة، ففي صحيح مسلم عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس يضع عرشه على الماء. ثم يبعث سراياه. فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة. يجيئ أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئا. قال ثم يجيئ أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته. قال فيدنيه منه ويقول: نعم أنت".
قال الأعمش: أراه قال "فيلتزمه ".

فإذا حاول الشيطان أن ينزغ بينكم فعلى الجميع أن يتقي الله ويصبر، فمن كان في قلبه غيرة فلا تدفعه غيرته إلى الظلم، ومن وقعت عليه الغيرة فليصبر، وعلى الوالدين أن يتقوا الله ويعدلوا بين أولادهم كما أنهم يحبون أن يكونوا لهم في البر سواء، وتراجع الفتوى

رقم: 45988.

وعلى الزوج أيضا أن يحسن عشرة زوجته كما أمره الله تعالى في كتابه، ويجب عليه أن يحذر من أن يظلم زوجته، أو يعتدي عليها وليعلم أن الله تعالى أقدر عليه قال سبحانه: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا {النساء:34}.

وأما بالنسبة لهذا الهجر الذي أسميته بالهجر الجميل بمعنى أن تصلي أهلك في المناسبات والأعياد فلا حرج فيه، والظاهر أنك تعنين صلتهم بالزيارة، ولكن هنالك وسائل أخر للصلة كالاتصال الهاتفي والإهداء ونحو ذلك، فصليهم بمثل هذا وأحسني إليهم وإن أساءوا إليك، فهذا من أعظم أسباب إزالة الضغائن والأحقاد التي في القلوب، قال الله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ {فصلت: 34}.

قال ابن كثير في تفسيره: إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير كأنه ولي لك حميم أي قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك. اهـ.

وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك.

وننبهك إلى أنه لا يجوز لك هجر والديك بالكلية، وأما غيرهما من الأقارب فيجوز هجرهم إن كان هذا الهجر لأمر شرعي لا لأمر دنيوي؛ إلا أن الأولى مراعاة المصلحة في ذلك، وللأهمية راجعي الفتاوى التالية أرقامها: 146409، 29790 134761.

ونوصيك بالحرص على الطاعات والإكثار من ذكر رب الأرض والسموات، والحرص على صحبة النساء الصالحات، فإن ذلك من أعظم ما يمكن أن يعينك في تخفيف هذه الضغوط النفسية، وننصحك بالتواصل مع قسم الاستشارات بموقعنا، فهنالك استشارات شرعية واستشارات نفسية يمكنك الاستفادة منها، وهنالك مجال للكتابة إليهم فراجعي هذا القسم.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: