الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اختلاف العلماء بسبب تعارض الأدلة هل يعد من المشتبهات
رقم الفتوى: 185905

  • تاريخ النشر:الأربعاء 12 شوال 1433 هـ - 29-8-2012 م
  • التقييم:
9255 0 390

السؤال

هل الأمور التي اختلف العلماء في حكمها من الشبهات؟ فمثلا نجد بعض العلماء يحرمون شيئا ما والبعض من العلماء يفتون بعدم التحريم ولكلا الفريقين أدلة يستندون عليها. فهل مثل هذه الأمور تعد من الشبهات ؟ وهل تدخل في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:(الحلال بين والحرام بين............................) ؟ وهل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يعلمهن كثير من الناس. لا يدخل الأمور التي اختلف العلماء فيها في الشبه، حيث قرأت أن المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: لا يعلمهن كثير من الناس. استثناء أهل العلم.
أفتوني أفادكم الله؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد اختلف أهل العلم في المراد بالمشتبهات الواردة في حديث الشيخين: (الحلال بين والحرام بين...) فحملها بعضهم على ما تعارضت فيه الأدلة وحملها البعض على ما اختلف فيه العلماء.

ولا ينبغي أن يعتبر المختلف فيه من المشتبهات، بالنسبة لمن يمكنه معرفة الراجح في المسألة فالعمل بالراجح واجب.

وأما ما اختلف فيه أهل العلم بناء على تعارض الأدلة في الظاهر ولم يمكن معرفة الراجح فيه بالنسبة لبعض العلماء وللمقلدين فهو يدخل في الأمور المشتبهات، وكذا ما اختلف فيه العلماء، بالنسبة إلى المقلد.

  قال ابن حجر في "فتح الباري": وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء:

أحدها: تعارض الأدلة كما تقدم.

ثانيها: اختلاف العلماء، وهي منتزعة من الأولى.

ثالثها: أن المراد بها مسمى المكروه، لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك.

رابعها: أن المراد بها المباح، ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوي الطرفين من كل وجه، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأولى. والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول. اهـ

 وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: وما تعارضت أدلته، فيه أعظم الإشكال، وكذا ما اختلف فيه العلماء، لكن بالنسبة إلى المقلد، لأنه لا يعرف الحق والباطل ولا يميز بينهما إلا بواسطة أقوال أهل العلم الذين يأخذ عنهم ويقلدهم، وليس له من الملكة العلمية ما يقتدر به على الوصول إلى دلائل المسائل، ومعرفة العالي منها والسافل، فإذا اختلف عالمان في شيء، فقال أحدهما: إنه حلال، وقال الآخر: إنه حرام، وكان كل واحد منهما في العلم يساوي الآخر في نظر المقلد، فلا شك ولا ريب أن هذا الشيء الذي اختلف فيه العالمان لا يصح أن يقال هو من الحلال البين ولا من الحرام البين بالنسبة إلى ذلك المقلد، وكل شيء لا يصح أن يكون أحد هذين الأمرين، لا ريب أنه من المشتبهات. اهــ .
وإذا كان هذا من المشتبهات فمن احتاط وتجنب المختلف فيه فهو أسلم وأحوط لحصول براءة الذمة به بيقين، وقيل يأخذ بأي الأقوال شاء ما لم يقصد تتبع الرخص، وقيل يأخذ بالأيسر لكون الشريعة مبنية على التخفيف.

قال الطوفي رحمه الله في شرح مختصر الروضة: قَوْلُهُ: «فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ» ، أَيْ: إِنِ اسْتَوَى الْمُجْتَهِدَانِ عِنْدَ الْمُسْتَفْتِي فِي الْفَضِيلَةِ، وَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: يَتَّبِعُ «أَيَّهُمَا شَاءَ» مُخَيَّرًا لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ. الثَّانِي: يَأْخُذُ بِأَشَدِّ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ «الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ وَالْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيٌّ» ، كَمَا يُرْوَى فِي الْأَثَرِ. وَفِي الْحِكْمَةِ: إِذَا تَرَدَّدْتَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، فَاجْتَنِبْ أَقْرَبَهُمَا مِنْ هَوَاكَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَشَدَّهُمَا. وَفِي لَفْظٍ: أَرْشَدَهُمَا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ لِلْحَدِيثِ أَنَّ الرُّشْدَ فِي الْأَخْذِ بِالْأَشَدِّ. الثَّالِثُ: يَأْخُذُ بِأَخَفِّ الْقَوْلَيْنِ لِعُمُومِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّخْفِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. انتهى.

وحكى العلامة ابن عثيمين هذه الأقوال ورجح أنه يأخذ بالأيسر في هذه الحال.

قال رحمه الله: مسائل العلم يجب على الإنسان أن يتبع من يرى أنه أقرب إلى الصواب إما لغزارة علمه وإما لثقته وأمانته ودينه. فإن لم يعلم أيهما أرجح في ذلك فقد قال بعض أهل العلم إنه يخير إن شاء أخذ بقول هذا وإن شاء أخذ بقول هذا، وقال بعض العلماء يأخذ بما هو أحوط أي بالأشد احتياطاً وإبراءً للذمة، وقال بعض العلماء يأخذ بما هو أيسر لأن ذلك أوفق للشريعة إذ أن الدين الإسلامي يسر كما قال الله تبارك تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) وكما قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الدين يسر) وكما قال وهو يبعث البعوث: (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) أي أنه إذا اختلفت آراء العلماء عندك وليس عندك ترجيح فإنك تأخذ بالأيسر لهذه الأدلة، ولأن الأصل براءة الذمة، ولو ألزمنا الإنسان بالأشد للزم من ذلك إشغال ذمته والأصل عدم ذلك وهذا القول أرجح عندي أي أن العلماء إذا اختلفوا على قولين وتكافأت الأدلة عندك في ترجيح أحد القولين فإنك تأخذ بالأيسر منهما، وهذا أعني القول بالأخذ بالأيسر فيما يتعلق بنفس الإنسان أما إذا كان يترتب على ذلك مفسدة فإنه يمتنع من إظهار ذلك وإعلانه... وعلى هذا فنقول: القول الصحيح أن نأخذ بالأيسر ما لم يتضمن ذلك مفسدة، فإن تضمن ذلك مفسدة فليأخذ بالأيسر في حق نفسه فقط. انتهى.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: