الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم تسمية المكتوب: كلاما، وتسمية كاتبه: قائلا

السؤال

ما حكم تسمية الكلمات المكتوبة: كلامًا، وتسمية كاتبها قائلًا؟ مثلًا إن قرأتُ كتابًا فأقول: قال فلان كذا وكذا، وهذا الكلام كذا وكذا.
فهل يُسمى المكتوب كلامًا حتى دون أن يتكلم به كاتبه؟ لا أقصد الأمر من جهة لغوية، لكن هل في هذا محظور شرعي؟
ولتوضيح وجه السؤال أوضح أن سبب السؤال هو قول بعض أهل الكلام أن كلام الله كلام نفسي قديم، فأذكر أني كنت قد قرأت لأحدٍ أن ما في القلب لا يُطلق عليه كلام، ولا حديث بإطلاق وإنما بتقييد، وأنا الآن أقول من الذاكرة ولا أذكر القائل ولكن يغلب على ظني أنه عالمٌ من علمائنا الكبار، وقد يكون قال إننا نُسمي ذلك حديث نفس لا نقول إنه حديث -بإطلاق-. هذا وقد أكون لا أتذكر ما قاله جيدًا.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الكلام يطلق على ما تحصل به الفائدة سواء كان لفظا، أو خطا، أو إشارة، أو ما نطق به لسان الحال. والدليل على ذلك في الخط قول العرب: القلم أحد اللسانين.

ويطلق أيضا على ما في النفس مما يعبر عنه باللفظ المفيد، وذلك كأن يقوم بنفسك معنى: قام زيد، أو قعد عمرو ونحو ذلك فيسمى ذلك الذي تخيلته كلاما. قال الأخطل:
لا يعجبنك من خطيب خطبة * حتى يكون مع الكلام أصيلا
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا

كذا قال ابن هشام في شرح شذور الذهب.

وإذا كتب الإنسان قصيدة ولم يتكلم بها بلسانه، فلا حرج في الشرع أن يقال قال فلان.

وما ذكرت من من أن ما في القلب لا يُطلق عليه كلام ولا حديث بإطلاق وإنما بتقييد، فقد يكون القائل أراد به التفريق بين حديث النفس وبين ما يتلفظ به الإنسان، ولا شك أن بينهما فرقا في الشرع؛ ولذلك لا يؤاخذ المسلم بحديث النفس الذي لم يتكلم وينطق به؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم. رواه مسلم.
وأما قول بعض أهل الكلام إن كلام الله كلام نفسي قديم، فهذه المسألة من المسائل الدقيقة المأخذ، والتي يجري فيها الالتباس، فلا يستحسن الخوض فيها من دون تحقيق لما قيل فيها، بل ينبغي التمسك بقول أهل الحق فيها، والإعراض عن نقاش أقوال أهل الباطل حتى يتسلح المسلم بالعلم الشرعي المأخوذ من كلام أهل السنة، والذي يتحصن به من التأثر بأقوال الفرق المخالفة لمنهج أهل السنة.

ومذهب أهل السنة قديما وحديثا في هذه المسألة هو الجزم بأن القرآن المكتوب في المصحف كلام الله تعالى، ومن أصرح الأدلة على أن القرآن كلام الله تعالى، قوله سبحانه وتعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ {التوبة:6}.

والمراد به هنا القرآن كما ذكره المفسرون، وعن جابر- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموقف فقال: ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي. رواه أبو داود وصححه الألباني.

والمراد بكلام ربي في الحديث هنا هو القرآن، كما يفيده كلام صاحب عون المعبود.

وكان السلف يكرهون الخوض والكلام في هذه المسألة. فقد قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): كان الإمام أحمد يسد الكلام في هذا الباب ولا يجوزه، وكذلك كان يبدع من يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. ويضلل من يقول: لفظي بالقرآن قديم. ويكفر من يقول: القرآن مخلوق. بل يقول: القرآن كلام الله، منزل، غير مخلوق. وينهى عن الخوض في مسألة اللفظ. ولا ريب أن تلفظنا بالقرآن من كسبنا، والقرآن الملفوظ المتلو كلام الله تعالى غير مخلوق، والتلاوة، والتلفظ، والكتابة، والصوت به من أفعالنا. اهـ.

وقال عبد الباقي المواهبي الحنبلي في (العين والأثر في عقائد أهل الأثر): صرح البخاري بأن أصوات العباد مخلوقة، وأن أحمد لا يخالفه في ذلك، ولكن أهل العلم كرهوا التنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا الخوض فيها والتنازع إلا بما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن شدة اللبس في هذه المسالة كثر نهي السلف عن الخوض فيها، واستغنوا بالاعتقاد أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يزيدوا على ذلك شيئا، وهو أسلم الأقوال وبالله المستعان. اهـ.

وقال ابن حجر في (فتح الباري): من شدة اللبس في هذه المسألة كثر نهي السلف عن الخوض فيها، واكتفوا باعتقاد أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يزيدوا على ذلك شيئا وهو أسلم الأقوال. اهـ.

وراجع الفتويين التاليتين: 19390 ، 132146.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني