الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مدى صحة تصنيف أصول الدين ضمن العلوم الصحيحة وأصول الفقه ضمن العلوم التجريبية
رقم الفتوى: 226651

  • تاريخ النشر:السبت 6 محرم 1435 هـ - 9-11-2013 م
  • التقييم:
3814 0 350

السؤال

فضيلة الشيخ: لقد درست الفلسفة المقرر تدريسها في المدارس الحكومية، وكنت لا أعتمد عليها؛ لأني لا أفهم جل مواضيعها. وعرفت لاحقا أن هذا من لطف الله بي؛ إذ إن جل الفلاسفة ملاحدة، وأن الفلسفة تبعد الناس عن التوحيد الخالص. ولقد فهمت درسا واحدا فيها لتفوقي في الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء وهو الابستيمولوجيا التي تدرس أنواع العلوم من صحيحة، وتجريبية، وإنسانية وخصائصها. فكما أن الرياضيات من العلوم الصحيحة التي تعتمد على العقل والمنطق، يكون علم التوحيد كذلك من العلوم الصحيحة؛ لاعتماده على العقل والمنطق اللذين بهما نبرهن على صفة الوجود، فنؤسس عليها باقي علم التوحيد. هذا ما أفهمه في أصول الدين. وأما من جهة أصول الفقه فأعتبره من العلوم التجريبيّة حيث إن المختص فيه يختبر ويجرب في عقله بتفكر فوقيّ، وشموليّ النصوص الشرعيّة لتصنيفها، واستكشاف، واستخراج القواعد الأصوليّة منها. فكل هذه القواعد الأصولية من وضع الإنسان. فهي إذن غير ثابتة ومعرضة للتغيير والتطوير، وربما النقض مثل كل أعمال المعرفة البشريّة كما هو مثلا في الميكانيكا الكلاسيكية (نيوتن) التي تحولت إلى الميكانيكا النسبية (إنشتاين) ثم إلى الميكانيكا الذرية الكوانتية (بلانك) ثم إلى غيرها في المستقبل. وهذا الشأن في جميع العلوم التجريبية. وأسأل فضيلتكم: 1 – هل يصح تصنيف أصول الدين ضمن العلوم الصحيحة؟ 2 – هل يصح تصنيف تصنيف أصول الدين ضمن العلوم الصحيحة؟ 2 – هل يصح تصنيف أصول الفقه ضمن العلوم التجريبيّة؟ 3 – ما هو مدى ثبوت قواعد أصول الفقه على مر الزمن؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فما سأل عنه السائل من المسائل الدقيقة المنزع، وتحتاج إلى تحرير في ألفاظها ومقاصدها. فبداية تحتاج إلى تحديد معنى العلم، وبيان لأقسامه، ثم يجري مثل ذلك في معنى (أصول الدين) ومعنى (أصول الفقه)، ثم ربط تعبير السائل بلفظ: الصحيحة والتجريبية، في وصف العلوم، بما جرى استعماله في كتب الأصول من لفظ: العلم والظن. وتفصيل ذلك لا يتسنى في مجال الفتوى، ولكنا نجمل له القول ونشير إلى معالمه، ونحيله إلى ما يمكن الاعتماد عليه من الكتب للوقوف على تفاصيل ذلك.

 فنقول: كثير من مسائل الفقه وأصوله مبنية على الاجتهاد والنظر، وليس فيها نصوص قاطعة، ومع ذلك فهي من المسائل العلمية الصحيحة؛ لأن المجتهد إذا غلب على ظنه رجحان حكم، قطع بوجوب العمل بما أدى إليه ظنه، فالعلم حاصل قطعا، والظن واقع في طريقه، فتقدير القضية أن يقال: إذا حصل لك أيها المجتهد ظن فعليك أن تعمل به، وحصول الظن في النفس وجديٌّ، يجده المرء في نفسه ويحسه، كما يجد علمه ويحسه، فمعرفته بحصول الظن يقيني، ومعرفته بوجوب العمل به يقيني، فهاتان مقدمتان علميتان، إحداهما سمعية، والأخرى وجدية.
وقد بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة: (الفرقان بين الحق والباطل) وتناول حد الفقه وأجاب عن سؤال: الفقه من باب الظنون فكيف نجعله علما؟ وقال في ختام ذلك: فالواجب على المجتهد أن يعمل بما يعلم أنه أرجح من غيره، وهو العمل بأرجح الدليلين المتعارضين، وحينئذ فما عمل إلا بالعلم .. والقرآن ذم من لا يتبع إلا الظن، فلم يستند ظنه إلى علم بأن هذا أرجح من غيره؛ كما قال: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن}. وقال: {هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن}. وهكذا في سائر المواضع يذم الذين إن يتبعون إلا الظن، فعندهم ظن مجرد لا علم معه، وهم يتبعونه. والذي جاءت به الشريعة، وعليه عقلاء الناس أنهم لا يعملون إلا بعلم بأن هذا أرجح من هذا، فيعتقدون الرجحان اعتقادا عمليا؛ لكن لا يلزم إذا كان أرجح أن لا يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر. وهذا كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو مما أسمع" .. اهـ.
وكأن الشيخ ـ رحمه الله ـ يشير إلى الفرق بين رجحان الاعتقاد، واعتقاد الرجحان، فالأول علم، والثاني ظن راجح.
وننصح السائل بالرجوع إلى هذه الرسالة في المجلد الثالث عشر من الفتاوى، فهي مفيدة جدا في هذا الباب.

 وقد تناول الشيخ هذه المسألة في كتاب الاستقامة أيضا، وبسط القول فيها ثم قال: والمقصود هنا ذكر أصلين، هما:

ـ بيان فساد قولهم: الفقه من باب الظنون، وبيان أنه أحق باسم العلم من الكلام الذي يدعون أنه علم، وأن طرق الفقه أحق بأن تسمى أدلة من طرق الكلام.

ـ والأصل الثاني: بيان أن غالب ما يتكلمون فيه من الأصول (يعني في علم الكلام المعتمد على المنطق والفلسفة) ليس بعلم ولا ظن صحيح، بل ظن فاسد، وجهل مركب ... اهـ.
فراجع كلامه هناك بطوله لأهميته، فقد عقد فصلا في بيان بطلان ما عليه طوائف من أهل الكلام من تعظيم أمر الكلام وتسميته بأصول الدين، وجعل مسائله قطعية، وتوهين أمر الفقه وجعله من باب الظنون لا العلوم.
ومن الكتب المعاصرة التي تفيد السائل الرسالة العلمية للدكتور محمد العروسي: (المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين) وخاصة المقدمة، والمسألتين الأوليين منها. فالأولى بعنوان: هل يطلق الدليل على ما يفيد الظن، وهل مسائل الفقه ظنية الدلالة؟ والثانية في تعريف العلم.
وما ذكرنا في مسائل أصول الفقه يذكر مثله في مسائل أصول الدين، فإن مسائل العقيدة وإن كان يجب التصديق بها، إلا أن هذا التصديق يتفاوت من مسألة إلى مسألة، بحسب ما فيها من أدلة، واستفاضتها، وقوة دلالتها، ووضوحها، ثم بحسب الاتفاق أو الاختلاف على مدلولها، فإذا حصل غلبة الظن صح إطلاق وجوب التصديق بشأنها، فإن غلبة الظن تنزل منزلة العلم؛ ولهذا وجب قبول خبر الواحد في العقائد، وإن كان يفيد الظن عند جمهور العلماء؛ لأن الظن الذي يفيده ظن راجح، فيجب العمل به، واعتقاد مقتضاه؛ وراجع في ذلك الفتوى رقم: 132935. وراجع في بيان معنى أصول الدين، وأصول الفقه والفرق بينهما، الفتوى رقم: 131108.
وعلى أية حال فقصر معنى العلم و مدلوله على ما سبيله القطع واليقين، دون الظن الراجح المبني على الاستدلال، إنما هو مجرد اصطلاح عند المتكلمين ومن وافقهم، وهو مخالف لبعض استعمالات القرآن، كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا. [النور: 33] فعبر بالعلم في موضع الظن، كما قال البقاعي في (نظم الدرر).

وقال ابن عاشور في (التحرير والتنوير): ومعنى {إن علمتم فيهم خيرا} إن ظننتم أنهم لا يبتغون بذلك إلا تحرير أنفسهم ... اهـ.
ولذلك قال أبو منصور الماتريدي ـ وهو من أئمة أهل الكلام ـ :وفي قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}. دلالة القول بعلم العمل على ظاهر الأسباب دون تحقيق العلم به، حيث قال: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) وإنما يوصل ما ذكر من الخير بأسباب تكون لهم على نحو ما ذكروا فيه من الحرفة، والوفاء، وأداء الأمانة وأمثاله، وذلك أسباب توصل إلى الخير على أكبر الظن والعلم لا على الحقيقة. اهـ.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى على لسان إخوة يوسف عليه السلام: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ. [يوسف: 73].

 وقال الدكتور عبد الرحمن الميداني في كتاب: (ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة): قد يطلق العلم لغة على المكتسب بدليل ظني راجح، قابل للتغيير والتعديل، ومنه في الاستعمالات القرآنية قول الله عز وجل في سورة الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ } [الممتحنة: 10] فالعلم بإيمانهن عن طريق الامتحان علم ظني. ويطلق في الاصطلاح لفظ العلم ـ واحد العلوم ـ على مجموعة معارف ظنية راجحة، ومنها ما هي قطعي، بشرط أن تكون منظمة حول موضوع ما، كعلم الفقه، وعلم الأصول، وعلم الحساب، وعلم الهندسة، وعلم الجغرافيا، وعلم الطب. اهـ.
وراجع في جواب السؤال الثالث الفتوى رقم: 197957.
والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: