الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثبوت صفة النفس لله بخلاف الروح، والتأويل الصحيح لإضافة الروح لله تعالى
رقم الفتوى: 232390

  • تاريخ النشر:الأربعاء 15 صفر 1435 هـ - 18-12-2013 م
  • التقييم:
8566 0 459

السؤال

جزاكم الله خيرًا، وزادكم علمًا. أعتقد أن الله منزه عن أن يكون له روحًا؛ لأنه ليس مركبًا من روح وبدن، ولكني قرأت أن العلامة أحمد شاكر قال: إن لله صفة تسمى روحًا، مستندًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة، إلى مهاجر إبراهيم، حتى لا يبقى إلا شرار أهلها، تلفظهم الأرضون، وتقذرهم روح الرحمن ...) كما ذكر ابن قتيبة في كتاب له ذلك، فأرجو توضيح ذلك لي، ففي مسائل الصفات يجب على الإنسان ألا يطلق صفة لله إلا بنص قاطع - ثبتني الله وإياكم على دينه، فما أعظمه! -.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وقد ضعفه الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند، ومع ذلك قال: "روح الرحمن" من الصفات التي يجب الإيمان بها، دون تأويل، أو إنكار، من غير تشبيه، ولا تمثيل، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، سبحانه وتعالى. اهـ.

هكذا قال ـ رحمه الله ـ ولا يستقيم الحكم بضعف الحديث مع وجوب الإيمان بمقتضاه! وقد ضعفه كذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره، واستغربه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه أبو جناب الكلبي، وهو ضعيف. اهـ.

وليس هناك من دليل آخر صحيح يثبت الروح وصفًا لله تعالى، وقد روى البيهقي هذا الحديث في كتاب الأسماء والصفات في باب: ما روي في النفس. فكأنه فسَّر الروح بالنفس، وصفة النفس ثابتة لله تعالى في قوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ [آل عمران: 28، 30] وقوله: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة: 116] وغيرهما، ونَفْسُه سبحانه هي ذاته عَزَّ وجَلَّ، ومما يؤكد هذا أن البيهقي روى هذا الحديث قبل ذلك بلفظ: تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله عز وجل. وبهذا اللفظ رواه أبو داود في سننه، قال العظيم آبادي في عون المعبود: "نفس الله" أي: ذاته تعالى. اهـ.

وأما إضافة الروح لله تعالى في القرآن، فهي: إضافة تشريف، لا إضافة صفة، قال الشيخ علوي السقاف في كتاب صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة: الرُّوح: خلقٌ من مخلوقات الله عَزَّ وجَلَّ، أضيفت إلى الله إضافة ملكٍ وتشريفٍ، لا إضافة وصف؛ فهو خالقها، ومالكها، يقبضها متى شاء، ويرسلها متى شاء، سبحانه، وقد وردت في الكتاب والسنة مضافة إلى الله عَزَّ وجَلَّ في عدة مواضع. اهـ. ثم ذكر نصوص الكتاب، والسنة، وأقوال الأئمة في ذلك، ثم أورد هذا الحديث من المسند، ونقل تضعيف الشيخ شاكر له، ثم تعليقه السابق عليه، واستغربه، ثم قال: ـ هذا مردود بما سبق، والحديث ضعيف. اهـ.

وقال السفاريني في لوامع الأنوار البهية: مما ينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله سبحانه نوعان:
ـ صفات لا تقوم بأنفسها، كالعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، وهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها ...
ـ والثاني: إضافة أعيان منفصلة، كبيت الله، وناقة الله، وعبد الله، ورسول الله، وكذلك روح الله، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ومصنوع إلى صانعه، لكنها تقتضي تخصيصًا، أو تشريفًا يتميز به المضاف إليه عن غيره ... فهذه إضافة إلى إلهيته تقتضي محبته لها، وتكريمه، وتشريفه، بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيته، حيث تقتضي خلقه، وإيجاده، فالإضافة العامة تقتضي الخلق والإيجاد، والخاصة تقتضي الاختيار {وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص: 68] فإضافة الروح إليه تعالى من هذه الإضافة الخاصة، لا من العامة، ولا من باب إضافة الصفات، فتأمل هذا الموضع، فإنه نفيس، ويخلصك من ضلالات كثيرة، وقع فيها من شاء الله من الناس. اهـ.

وأما ابن قتيبة فقال في كتاب: الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية: قالوا في قوله تعالى: {ونفخت فيه من روحي} أن الروح هو الأمر، أي أمرت أن يكون، واحتجوا بقول سلمان، وأبي الدرداء: إنا نقوم فنكبر بروح الله. أي: بكلامه. والروح - كما ذكروا - قد يكون كلام الله في بعض المواضع، نحو قوله: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} وكقوله عز وجل: {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا}، والروح أيضًا: روح الأجسام الذي يقبضه الله عند الممات، والروح أيضًا: ملكٌ عظيم من ملائكة الله، قال الله تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفًّا}، والروح: الرحمة، قال الله تعالى: {وأيدهم بروح منه} أي: برحمة، كذلك قال المفسرون .. والروح: النفخ؛ سمي روحًا؛ لأنه ريح يخرج عن الروح، فأي شيء جعلت الروح من هذه التأويلات؟ فإذا نفخت لا يحتمل إلا معنى واحدًا، قال ذو الرمة وذكر نارًا قدمها:

وقلت له: ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتةً قدرا

يقول: أحيي النار بنفخك، فنحن نؤمن بالنفخ، وبالروح، ولا نقول كيف؟ ذلك لأن الواجب علينا أن ننتهي في صفات الله حيث انتهى في صفته، أو حيث انتهى رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نزيل اللفظ عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، ونمسك عما سوى ذلك. اهـ.

وهذا ليس نصًّا في ما نحن فيه، وإن كان ظاهره أنه جعل للآية علاقة بباب صفات الله تعالى، والصواب ما قدمنا، وقد قال ابن قتيبة نفسه في غريب الحديث عند قوله صلى الله عليه وسلم: الرّيح من روح الله، تَأتي بِالرَّحْمَةِ وَالْعَذَاب، فَلَا تسبوها. قال: فَروح الله بِمَنْزِلَة نفس الله اهـ. وهذا يوافق ما تقدم.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: