الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين التدخين والمياه الغازية في الحل والحرمة

  • تاريخ النشر:الخميس 9 ربيع الآخر 1436 هـ - 29-1-2015 م
  • التقييم:
رقم الفتوى: 283804
12119 0 207

السؤال

لماذا التدخين حرام؟ وكثير من الأغذية الضارة كالمياه الغازية وغيرها من المواد التي تباع بالمخازن هي حلال, أي السؤال باختصار: ما هو الفرق بينهما باعتبار أن كليهما ضار؟.
وجزاكم الله خيرا

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإذا أثبت الثقات من أهل الخبرة أن طعاما ما يترتب على تناوله ضرر فلا يجوز تناوله، ولو كان حلالا في أصله، وأما إذا لم يثبت الضرر، أو ثبت ولكنه خفيف معتاد يحتمله الجسد العادي، فيبقى الحكم على أصل الحل. وقد نص أهل العلم على قيد عدم الضرر فيما يؤكل، قال الحجاوي في (زاد المستقنع) في أول كتاب الأطعمة: الأصل فيها الحل، فيباح كل طاهر لا مضرة فيه... اهـ.
قال ابن عثيمين في (الشرح الممتع): قوله: «لا مضرة فيه» خرج بذلك الطاهر الذي فيه مضرة، فالطاهر الذي فيه مضرة لا يجوز، بل هو حرام، وسواء كانت المضرة في عينه، أو في غيره، في عينه كالسُّم، فالسم ضرره في عينه، وكذلك الدخان فإنه ضارٌّ في عينه، وضرره مُجمعٌ عليه بين الأطباء اليوم، لا يختلف في ذلك اثنان منهم؛ لما يشتمل عليه من المواد السامة المفسدة للدم، والضار في غيره مثل أن يكون هذا الطعام لا يلتئم مع هذا الطعام، بمعنى أنك إذا جمعت بين الطعامين حصل الضرر، وإذا أكلتهما على انفرادٍ لم يحصل الضرر، ومن ذلك الحمْية للمرضى، فإن المريض إذا حُمي عن نوع معينٍ من الطعام وقيل له: إن تناوله يضرك. صار عليه حراماً... قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله: ـ «وإذا خاف الإنسان من الأكل أذًى أو تخمة حَرُمَ عليه»... وما قاله ـ رحمه الله ـ صحيح؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأكل ما يؤذيه، أو يلبس ما يؤذيه... اهـ.
وقال الشنقيطي في شرحه: الضرر: ضد النفع، وهو نوعان: إما ضرر ينتهي بالإنسان إلى الموت والهلاك، وإما ضرر دون ذلك، فأي طعام اشتمل على فوات الأنفس وهلاك الأرواح فإنه لا يجوز أكله، أو يكون فيه ضرر يتسبب في إتلاف الأعضاء، أو تعطيل منافعها، أو يُحدث للإنسان ضرراً في عقله، أو ضرراً في حاسة من حواسه، أو يشوش عليه، أو يقلقه، أو يزعجه ونحو ذلك، فإنه يحكم بعدم الجواز؛ لأن النصوص في الكتاب والسنة دلت على تحريم إضرار الإنسان بنفسه... قال تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195]، وكل ما فيه ضرر يلقي بالإنسان إلى التهلكة، وقد يُهلك عضواً من أعضائه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن لنفسك عليك حقاً"، ومن هنا: حرم أكل وشرب الأشياء المضرة، سواءً كانت من الجامدات، أو كانت من المائعات... فلا يجوز أكل ما فيه ضرر على الإنسان في حواسه كما ذكرنا، مثل: الشاة التي فيها مرض، فإنه إذا أكلها انتقل إليه المرض ونحو ذلك، كل هذا لا يجوز... اهـ.
ويمكن أن يؤخذ من هذا أن الضرر الذي يمنع من أجله الطعام أو الشراب هو: ما يؤدي إلى هلاك النفوس أو الأعضاء، أو تعطيل منافع الحواس، أو يؤثر في العقل أو البدن بمرض ومشقة فوق العادة، وراجع للفائدة الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 114640، 118201، 129373.

وقد تناول الباحث زين العابدين الشنقيطي في رسالته العلمية للماجستير (النوازل في الأشربة ص: 144 /155) مسألة تناول المشروبات الغازية، وقال: لهذه المشروبات بعض الفوائد إذا استعملت في حدود الحاجة، وهذه الفوائد هي الأصل فيها، وقد تكون ضارة، وذلك في حال الإفراط في استعمالها، أو بالنسبة لبعض أصحاب الحالات الخاصة، وعليه فإن الأصل في هذه المشروبات هو الإباحة، لخلو مكوناتها من المواد المحرمة بالأصالة، إلا أن التحريم قد يطرأ عليها في حق بعض الأشخاص الذين تضرهم، وفي حدود هذا الضرر، إذ قد يكون بعض هؤلاء ممنوعا من تناولها تماما، وقد يكون ممنوعا من تجاوز معدل معين، وذلك حسب وضعهم الصحي، والحكم الشرعي يدور مع علته وجودا وعدما فبقدر الضرر يكون المنع، وإذا سلمت من الضرر فإنها تبقى على أصل الإباحة؛ لأن ارتباط المنع بالضرر دليل على أن المشروب في ذاته مباح. اهـ.

وأما التدخين فقد ثبت ضرره البالغ، ثبوتا قطعيا عن طريق أهل الاختصاص من المسلمين وغير المسلمين، وصدرت بتحريمه الفتاوى المعتمدة من هيئات ومؤسسات الفتوى المعتبرة، بعد أن حصل في ذلك اختلاف بين العلماء عند ظهوره في البداية؛ لعدم توفر العلم القطعي بضرره المطلق حينذاك، وراجع في ذلك الفتويين التالية أرقامهما: 123164، 184971.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: