الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حد الضرر المعتبر الذي يترك لأجله إنكار المنكر
رقم الفتوى: 315991

  • تاريخ النشر:الأحد 24 صفر 1437 هـ - 6-12-2015 م
  • التقييم:
2314 0 109

السؤال

ما هي أقوال العلماء في الضرر المعتبر ليترك المسلم إنكار المنكر؟ وهل يعتبر السبّ أو الشتم من الضرر المعتبر؟ وهل يكون ذلك عند غلبة الظن؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فقد بحث الغزالي في الإحياء هذه المسألة، فقال: اعلم أنه لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسيّ، بل يلتحق به ما يخاف عليه مكروهًا يناله، فذلك في معنى العجز ... فإن قيل: فالمكروه المتوقع ما حده؟ فإن الإنسان قد يكره كلمة، وقد يكره ضربة، وقد يكره طول لسان المحتسب عليه في حقّه بالغيبة، وما من شخص يؤمر بالمعروف إلا يتوقع منه نوع من الأذى، وقد يكون منه أن يسعى به إلى سلطان، أو يقدح فيه في مجلس يتضرر بقدحه فيه، فما حد المكروه الذي يسقط الوجوب به؟ ... فنقول: المكروه نقيض المطلوب، ومطالب الخلق في الدنيا ترجع إلى أربعة أمور: إما في النفس فالعلم، وإما في البدن فالصحة والسلامة، وإما في المال فالثروة، وإما في قلوب الناس فقيام الجاه. فإذًا المطلوب: العلم والصحة والثروة والجاه، ومعنى الجاه ملك قلوب الناس، كما أن معنى الثروة ملك الدراهم ... ويكره في هذه الأربعة أمران، أحدهما: زوال ما هو حاصل موجود. والآخر: امتناع ما هو منتظر مفقود، ... وهذا لا ينبغي أن يكون مرخصًا في ترك الأمر بالمعروف أصلًا ...

وأما القسم الثاني وهو فوات الحاصل؛ فهو مكروه ومعتبر في جواز السكوت في الأمور الأربعة إلا العلم، فإن فواته غير مخوف إلا بتقصير منه ...

وأما الصحة والسلامة ففواتهما بالضرب، فكل من علم أنه يضرب ضربًا مؤلمًا يتأذى به في الحسبة لم تلزمه الحسبة، وإن كان يستحب له ذلك كما سبق، وإذا فهم هذا في الإيلام بالضرب فهو في الجرح والقطع والقتل أظهر.

وأما الثروة فهو بأن يعلم أنه تنهب داره، ويخرب بيته، وتسلب ثيابه، فهذا أيضًا يسقط عنه الوجوب، ويبقى الاستحباب؛ إذ لا بأس بأن يفدى دينه بدنياه، ولكل واحد من الضرب والنهب حد في القلة لا يكترث به، كالحبة في المال، واللطمة الخفيف ألمها في الضرب، وحد في الكثرة يتعين اعتباره، ووسط يقع في محل الاشتباه والاجتهاد، وعلى المتدين أن يجتهد في ذلك ويرجح جانب الدين ما أمكن.

وأما الجاه ففواته بأن يضرب ضربًا غير مؤلم، أو يسب على ملأ من الناس، أو يطرح منديله في رقبته ويدار به في البلد، أو يسود وجهه ويطاف به، وكل ذلك من غير ضرب مؤلم للبدن، وهو فادح في الجاه ومؤلم للقلب، وهذا له درجات، فالصواب أن يقسم إلى ما يعبر عنه بسقوط المروءة، كالطواف به في البلد حاسرًا حافيًا، فهذا يرخص له في السكوت؛ لأن المروءة مأمور بحفظها في الشرع، وهذا مؤلم للقلب ألمًا يزيد على ألم ضربات متعددة، وعلى فوات دريهمات قليلة، فهذه درجة. والدرجة الثانية: ما يعبر عنه بالجاه المحض وعلو الرتبة، فإن الخروج في ثياب فاخرة تجمل، وكذلك الركوب للخيول، فلو علم أنه لو احتسب لكلف المشي في السوق في ثياب لا يعتاد هو مثلها، أو كلف المشي راجلًا وعادته الركوب، فهذا من جملة المزايا وليست المواظبة على حفظها محمودة، وحفظ المروءة محمود فلا ينبغي أن يسقط وجوب الحسبة بمثل هذا القدر. وفي معنى هذا ما لو خاف أن يتعرض له باللسان، إما في حضرته بالتجهيل والتحميق والنسبة إلى الرياء والبهتان، وأما في غيبته بأنواع الغيبة، فهذا لا يسقط الوجوب؛ إذ ليس فيه إلا زوال فضلات الجاه التي ليس إليها كبير حاجة، ولو تركت الحسبة بلوم لائم أو باغتياب فاسق أو شتمه وتعنيفه أو سقوط المنزلة عن قلبه وقلب أمثاله لم يكن للحسبة وجوب أصلًا؛ إذ لا تنفك الحسبة عنه ...

وقد دلت العمومات على تأكد وجوب الحسبة وعظم الخطر في السكوت عنها، فلا يقابله إلا ما عظم في الدين خطره، والمال والنفس والمروءة قد ظهر في الشرع خطرها، فأما مزايا الجاه والحشمة ودرجات التجمل وطلب ثناء الخلق فكل ذلك لا خطر له. اهـ.

وجواب الشق الأول من السؤال يجده السائل في كلام الغزالي عند قوله: ولو تركت الحسبة بلوم لائم أو باغتياب فاسق أو شتمه وتعنيفه أو سقوط المنزلة عن قلبه وقلب أمثاله لم يكن للحسبة وجوب أصلًا؛ إذ لا تنفك الحسبة عنه. اهـ.

وأما الشق الثاني، وهو قول السائل: (هل يكون ذلك عند غلبة الظن؟)، فجوابه: نعم، ينزل الظن الغالب منزلة العلم، بخلاف الظن المرجوح فإنه مهمل، وكذلك الشك المستوي الطرفين، على الأظهر. قال الغزالي: إن قيل: وحيث أطلقتم العلم بأن يصيبه مكروه أو أنه لا تفيد حسبته، فلو كان بدل العلم ظن، فما حكمه؟ قلنا: الظن الغالب في هذه الأبواب في معنى العلم ... فإن قيل: فالمكروه الذي تتوقع إصابته إن لم يكن متيقنًا ولا معلومًا بغالب الظن، ولكن كان مشكوكًا فيه، أو كان غالب ظنه أنه لا يصاب بمكروه، ولكن احتمل أن يصاب بمكروه، فهذا الاحتمال هل يسقط الوجوب حتى لا يجب إلا عند اليقين بأنه لا يصيبه مكروه، أم يجب في كل حال إلا إذا غلب على ظنه أنه يصاب بمكروه؟ قلنا: إن غلب على الظن أنه يصاب لم يجب، وإن غلب أنه لا يصاب وجب، ومجرد التجويز لا يسقط الوجوب؛ فإن ذلك ممكن في كل حسبة، وإن شك فيه من غير رجحان فهذا محل النظر، فيحتمل أن يقال: الأصل الوجوب بحكم العمومات، وإنما يسقط بمكروه، والمكروه هو الذي يظن أو يعلم حتى يكون متوقعًا. وهذا هو الأظهر. ويحتمل أن يقال: إنه إنما يجب عليه إذا علم أنه لا ضرر فيه عليه أو ظن أنه لا ضرر عليه. والأول أصح نظرًا إلى قضية العمومات الموجبة للأمر بالمعروف. اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: