الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زيادة: (وحده لا شريك له) في التشهد
رقم الفتوى: 392737

  • تاريخ النشر:الإثنين 20 جمادى الآخر 1440 هـ - 25-2-2019 م
  • التقييم:
2473 0 35

السؤال

هل صيغتي هذه في التشهد صحيحة: (التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل ابراهيم، إنك حميد مجيد)؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:                      

فإن التشهد الذي ذكرته هو تشهد ابن مسعود -رضي الله عنه-، وهو مخرج عند أصحاب الكتب الستة، وهو أصح أنواع التشهد باتفاق الحفاظ -كما قال ابن الملقن-، لكن زيادة: (وحده، لا شريك له) قد أخرجها النسائي في سننه، فقال: أخبرني عبد الرحمن بن خالد الرقي، قال: حدثنا حارث بن عطية، وكان من زهاد الناس، عن هشام، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول: السلام على الله، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

والأقرب أن هذه الزيادة شاذة؛ لإعراض صاحبي الصحيحين عن إخراجها، ولتفرد بعض الرواة بها، قال محمد علي الأثيوبي في ذخيرة العقبى: زيادة: "وحده لا شريك له" في حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه-، زيادة شاذة مردودة؛ لاتفاق جميع الحفاظ على عدم الزيادة، وإنما هي في هذا الطريق من رواية حارث بن عطية، وهو كما تقدم: صدوق يهم، فتكون هذه الزيادة من أوهامه. وإنما تصح هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -. اهـ.

وكذلك جاء عن ابن مسعود ما يدل على أن هذه الزيادة ليست من التشهد الذي علمه إياه النبي صلى الله عليه وسلم، ففي المعجم الأوسط للطبراني: عن العلاء بن المسيب، عن أبيه قال: كان عبد الله بن مسعود يعلم رجلًا التشهد، فقال عبد الله: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»، فقال الرجل: وحده لا شريك له، فقال عبد الله: «هو كذلك، ولكن ننتهي إلى ما علمنا». والمسيب لم يسمع من ابن مسعود.

وقد حكم بشذوذ زيادة: (وحده لا شريك له) الألباني في ضعيف سنن النسائي، وقال ابن حجر: قوله: أشهد أن لا إله إلا الله. زاد بن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة، عن أبيه: وحده لا شريك له، وسنده ضعيف. اهـ. من فتح الباري.

بينما صحح ابن حبان هذه الزيادة بإخراجه لها في صحيحه.

وقد جاءت زيادة: (وحده لا شريك له) في التشهد في أحاديث أخرى مرفوعة غير حديث ابن مسعود، ومن العلماء من صحح بعضها، قال ابن حجر: لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني؛ إلا أن سنده ضعيف، وقد روى أبو داود من وجه آخر صحيح عن ابن عمر في التشهد: أشهد أن لا إله إلا الله، قال ابن عمر: زدت فيها: وحده لا شريك له، وهذا ظاهره الوقف. من فتح الباري.

وأما حديث أبي موسى -رضي الله عنه-: فليست هذه الزيادة في نسخ صحيح مسلم التي بين أيدينا -كما عزاه إليه ابن حجر-، وقال مغلطاي في شرح ابن ماجه في تعليقه على حديث أبي موسى: خرجه مسلم مطولًا بصفة الصلاة، وعند النسائي: "وحده لا شريك له". اهـ. فعزى الزيادة للنسائي، ولم يعزها لمسلم.

وقد أخرجها النسائي، فقال: أخبرنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي البصري، قال: حدثنا المعتمر، قال: حدثنا أبي، يحدث عن قتادة، عن أبي غلاب، وهو يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، أنهم صلوا مع أبي موسى، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان عند القعدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». وأخرجه الدارقطني، وأشار إلى ضعف الزيادة بقوله: زاد فيه على أصحاب قتادة: وحده لا شريك له, وخالفه هشام, وسعيد, وأبان, وأبو عوانة، وغيرهم, عن قتادة, وهذا إسناد متصل حسن. اهـ. وقد أثبتها ابن حجر، وصححها الأثيوبي أيضًا -كما تقدم-.

وجاءت كذلك في حديث سلمان الفارسي: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، عن عمرو بن يزيد الأزدي، عن أبي راشد قال: سألت سلمان الفارسي عن التشهد، فقال: أعلمكم كما علمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد حرفًا حرفًا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال ابن الملقن في البدر المنير: في إسناده: عمر بن يزيد الأزدي، قال ابن عدي: منكر الحديث. اهـ. وقال ابن حجر في التلخيص: وإسناده ضعيف. اهـ.

وجاءت كذلك في تشهد حديث عبد الله بن الزبير، كما أخرجه الطبراني في معجميه الكبير، والأوسط، عن الحارث بن يزيد قال: سمعت أبا الورد يقول: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: إن تشهد النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله، وبالله خير الأسماء، التحيات لله، الطيبات الصلوات، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم اغفر لي، واهدني. هذا في الركعتين الأوليين، وقال الطبرانيلا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن الزبير إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة. قال ابن حجر في التلخيص: قلت: وهو ضعيف، ولا سيما وقد خالف.

وأما الأحاديث الموقوفة التي فيها زيادة: (وحده لا شريك له):

فحديث ابن عمر أخرجه أبو داود، والدارقطني: عن أبي بشر، سمعت مجاهدًا يحدث عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد: التحيات لله، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته- قال: قال ابن عمر: زدت فيها: وبركاته- السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله- قال ابن عمر: زدت فيها: وحده لا شريك له- وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال الدارقطنيهذا إسناد صحيح. وصححه ابن الملقن، ومغلطاي.

وكذلك أثر عائشة -رضي الله عنها- أخرجه مالك في الموطأ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنها كانت تقول إذا تشهدت: التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبد الله ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم.

والخلاصة: أن زيادة (وحده لا شريك له) لا تثبت في تشهد ابن مسعود، وجاءت مرفوعة في بعض الأحاديث، صححها بعض العلماء، وصحت موقوفة على بعض الصحابة.

ولا حرج في الإتيان بها، جاء في الفروع لابن مفلح: وذكر جماعة: لا بأس بزيادة: "وحده لا شريك له"، وقيل: قولها أولى. اهـ. وفي كشاف القناع: وذكر جماعة أنه لا بأس بزيادة: "وحده لا شريك له"؛ لفعل ابن عمر. اهـ.

أما صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرتها، فهي ثابتة، أخرجها البخاري في صحيحه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليكم؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ولفظ النسائي في سننه الكبرى: وبارك مكان: اللهم بارك.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: