الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم السماح للصبي بالاستماع للموسيقى
رقم الفتوى: 449191

  • تاريخ النشر:الأربعاء 14 ربيع الأول 1443 هـ - 20-10-2021 م
  • التقييم:
1273 0 0

السؤال

ذكر ابن تيمية -رحمه الله- في تفسير حديث زمارة الراعي، قولا لبعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه؛ لأنه كان صغيرا.
ألا يصح الاستدلال بهذا التفسير على أن الأطفال غير مؤاخذين بما قد يتبادر إلى سمعهم من موسيقى ترافق بعض البرامج المفيدة، والتي فيها خير كثير، ويعيبها فقط بعض الموسيقى؟
وقد ذكرتم في فتوى سابقة أن الطفل وإن لم يأثم على ذلك، إلا أن الأبوين يأثمان؛ لأن ذلك مدعاة لأن يألف الطفل سماع الموسيقى من صغره. وهذا مناف للتربية، لكن بالقياس، يمكن أن نقول إن الأم تأثم إذا سمحت لابنها غير البالغ بالجلوس معها في مجالس النساء، أو سمحا لابنهما الصغير أن يلعب مع البنات الصغيرات في الشارع، أو أن تسمح الأم لابنها أن يشاهد معها امرأة في التلفاز، أو أن يشتري الأب لابنته الصغيرة لباسا لا يجوز للبالغة لبسه أمام الأجانب، أو أن يسمح لها أن تصافح رجلا كبيرا، إلى غيرها من الأمور التي لا يشك عاقل أنها تورث شيئا من التعود، فيصعب بعد البلوغ تركها، وقد عشنا ذلك مع بنات عمنا.
فهل هذا كفيل بإطلاق الإثم على الأبوين؟ ولماذا يستثنى تكليف شرعي دون الآخر؟
وأنا هنا لا أدافع عن الموسيقى، أو أريد لابني أن يألف سماعها، لكن الطفل الصغير الذي لا يميز، لا يجيد استخدام الريموت للتحرز من صوت المعازف.
مع العلم أنني سمعت للشيخ يوسف عبد الحي قولا بهذا، وهو موجود في اليوتيوب.
بارك الله فيكم، ونفع الله بكم المسلمين.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فكلام ابن تيمية الذي تشير إليه، هو قوله كما في مجموع الفتاوى: روى أبو داود في السنن: أنه كان مع ابن عمر -فمر براع معه زمارة فجعل يقول: أتسمع يا نافع؟ فلما أخبره أنه لا يسمع، رفع إصبعيه من أذنيه، وأخبره أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ففعل مثل ذلك. وقال أبو داود لما روى هذا الحديث: هذا حديث منكر. وقد رواه أبو بكر الخلال من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا.

فهذا الحديث إن كان ثابتا، فلا حجة فيه على إباحة الشبابة؛ بل هو على النهي عنها أولى من وجوه:

أحدها: أن المحرم هو الاستماع لا السماع، فالرجل لو يسمع الكفر والكذب والغيبة والغناء والشبابة من غير قصد منه؛ بل كان مجتازا بطريق فسمع ذلك، لم يأثم بذلك باتفاق المسلمين...

فإذا عرف أن الأمر والنهي والوعد والوعيد يتعلق بالاستماع؛ لا بالسماع، فالنبي صلى الله عليه وسلم وابن عمر كان مارا مجتازا لم يكن مستمعا. وكذلك كان ابن عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونافع مع ابن عمر: كان سامعا لا مستمعا. فلم يكن عليه سد أذنه.

الوجه الثاني: أنه إنما سد النبي صلى الله عليه وسلم أذنيه مبالغة في التحفظ حتى لا يسمع أصلا. فتبين بذلك أن الامتناع من أن يسمع ذلك خير من السماع، وإن لم يكن في السماع إثم، ولو كان الصوت مباحا لما كان يسد أذنيه عن سماع المباح؛ بل سد أذنيه؛ لئلا يسمعه وإن لم يكن السماع محرما. دل على أن الامتناع من الاستماع أولى. فيكون على المنع من الاستماع أدل منه على الإذن فيه.

الوجه الثالث: أنه لو قدر أن الاستماع لا يجوز، فلو سد هو ورفيقه آذانهما لم يعرفا متى ينقطع الصوت، فيترك المتبوع سد أذنيه.

الرابع: أنه لم يعلم أن الرفيق كان بالغا؛ أو كان صغيرا دون البلوغ. والصبيان يرخص لهم في اللعب ما لا يرخص فيه للبالغ.

الخامس: أن زمارة الراعي ليست مطربة كالشبابة التي يصنع غير الراعي، فلو قدر الإذن فيها لم يلزم الإذن في الموصوف، وما يتبعه من الأصوات التي تفعل في النفوس فعل حمي الكؤوس .اهـ.

 وكما ترى فالنص ليس فيه تقرير هذا الحكم الذي تريد الوصول إليه، وهو إباحة إسماع الصبيان المعازف مطلقا، وإنما هو جواب عن عدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر بسد أذنيه، وفي كلام ابن تيمية أيضا أن الزمارة لو سُلم جدلا بالإذن فيها، فلا يلزم الإذن فيما هو أشد إطرابا منها من الآلات كالشبابة، فكيف تقاس آلات اللهو المعاصرة المطربة أشد الطرب على زمارة الراعي؟ -على فرض ثبوت الحديث أصلا-

وعلى كل: فالذي نفتي به ونقرره هو حرمة تعمد إسماع الصبي الموسيقى مطلقا، وراجع في بيانه الفتاوى: 107683، 295450، 230035.

وأما الأقيسة التي ذكرتها: (يمكن أن نقول إن الأم تأثم إذا سمحت لابنها غير البالغ بالجلوس معها في مجالس النساء، أو سمحا لابنهما الصغير أن يلعب مع البنات الصغيرات في الشارع، أو أن تسمح الأم لابنها أن يشاهد معها امرأة في التلفاز، أو أن يشتري الأب لابنته الصغيرة لباسا لا يجوز للبالغة لبسه أمام الأجانب، أو أن يسمح لها أن تصافح رجلا كبيرا، إلى غيرها من الأمور التي لا يشك عاقل أنها تورث شيئا من التعود.)

فهي لا تعكر على الحكم الذي قررناه، فنحن لم نقل إن كل ما يحرم على البالغ فإنه يحرم الصبي حتى تأتي بهذه الإلزامات ! فضلا عن النصوص الصريحة في جواز جملة مما ذكرت، وأنه لا يقول أحد بتحريمها، وليس هذا مقام مناقشة وتفصيل كل مسألة من هذه المسائل الكثيرة التي ذكرتها.

 والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: