الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم هبة الدين لغير من عليه الدين، والتراجع عنها

  • تاريخ النشر:الخميس 15 جمادى الأولى 1444 هـ - 8-12-2022 م
  • التقييم:
رقم الفتوى: 466183
746 0 0

السؤال

وهبت لنا الأخت الكبرى مبلغا ماليا ليس بحوزتها بعد أن أقرضته لخالي، لكنه لم يرجعه، فوزعته علينا: هي واثنان من الذكور، واثنان من الإناث بغير عدل، فكان النصيب الأكبر للأخت الصغرى.
أما نصيبي أنا؛ فقد فاوضتني الواهبة لأتنازل عن جزء منه للأخت الصغرى أيضا زيادة على نصيبها، وأنا خجلا منها تنازلت، ولست راضية بذلك من قلبي، فقد راودتني وأرغمتني على ذلك.
فهل يجوز أن أتراجع عن الجزء الذي تنازلت عنه بغير رضا للأخت الصغرى؟ علما أن المال لم تتحصل عليه أختي الكبرى بعد، ومع العلم بأن نصيب الأخت الصغرى هو الأكبر منا جميعا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فما وهبته لكم الأخت الكبيرة من دَينها الذي لها على خالك، هو من هبة الدين لغير من هو عليه، وصحة ذلك محل خلاف بين أهل العلم؛ لاختلافهم في حصول القبض لما هو في الذمة.

قال الكاساني في بدائع الصنائع: (وأما) هبة الدين لغير من عليه الدين؛ فجائز أيضا إذا أذن له بالقبض، وقبضه استحسانا، والقياس أن لا يجوز وإن أذن له بالقبض. اهـ.

وقال المرداوي في الإنصاف: لا ‌تصِحُّ ‌هِبَةُ ‌الدينِ ‌لغيرِ ‌مَن ‌هو ‌في ‌ذِمَّتِه ‌على ‌الصَّحيحِ ‌مِنَ ‌المذهبِ. ‌وهو ‌ظاهِرُ ‌كلامِ ‌المُصَنفِ ‌هنا. ‌ويَحْتَمِلُ ‌الصِّحَّة ‌كالأعْيانِ. ‌ذكَرَه ‌المُصَنِّفُ ‌ومَن ‌بعدَه. ‌قال ‌في «‌الفائقِ»: ‌والمُخْتارُ ‌الصِّحَّةُ. ‌قال ‌الحارِثِيُّ: ‌وهو ‌أصحُّ. ‌وهو ‌المَنْصوصُ ‌في ‌رِوايَةِ ‌حَرْبٍ، ‌فذكَرَه ‌إنِ ‌اتَّصَلَ ‌القَبْضُ ‌به. اهـ. وانظري تفصيل ذلك في الفتوى: 443875.

وعلى القول بصحة الهبة؛ فإنها لا تصير لازمة، لا يحق للواهب التراجع عنها، إلا إذا حاز الموهوب له الهبة قبل أن يعود الواهب في هبته، لما ذكره الفقهاء من أن الهبة لا تصير لازمة إلا بالقبض في قول الجمهور، إلا إذا كانت الهبة أصلا في يد الموهوب له، فإنها تصير لازمة بمجرد الإيجاب والقبول.

قال البهوتي في الروض المربع: وتلزم بالقبض بإذن واهب إلا ما كان في يد موهوب له؛ لأن قبضه مستدام، فأغنى عن الابتداء. اهـ.

وجاء في حاشية النجدي على الروض: قال الوزير: اتفقوا على أنها تصح بالإيجاب والقبول والقبض، وتلزم به عند أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وعند مالك لا تفتقر صحتها ولزومها إلى القبض، ولكنه شرط في نفوذها وتمامها لا في صحتها ولزومها. اهـ.

فما دمتِ لم تقبضي هذه الهبة -على القول بصحتها-، فإن لأختك الكبيرة الرجوع في هذه الهبة، أو تعديلها كما تشاء؛ لأنها لم تلزمها.

وكذلك لا يلزمها العدل في الهبة بين إخوتها وأخواتها؛ إذ العدل في الهبة واجب بين الأبناء خاصة، فهم الذين ورد فيهم النص.

ففي الصحيحين وغيرهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم.

وإن كان الأولى هو العدل بين الأقارب، إذا لم يكن لتفضيل أحدهم عن الآخرين سبب بيّن؛ لأن ذلك أقرب إلى الألفة والمحبة فيما بينهم. 

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: