الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَافِرًا أَوْ مُكَاتَبًا ، فَلَا يُضَمُّ مَالُهُ إلَى مَالِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ ; لِأَنَّ مَالَ الْكَافِرِ وَالْمُكَاتَبِ لَيْسَ بِزَكَاتِيٍّ فَلَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ ، كَالْمَعْلُوفَةِ لَا يَتِمُّ بِهَا نِصَابُ السَّائِمَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا دُونَ النِّصَابِ بِأَنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عِشْرُونَ مِنْ الْغَنَمِ ، فَخَالَطَ صَاحِبَهُ بِتِسْعَةَ عَشَرَ وَتَرَكَ شَاتَيْنِ مُنْفَرِدَتَيْنِ لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ ; لِأَنَّ الْمُجْتَمِعَ دُونَ النِّصَابِ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَإِنْ تَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فِي الْمُرَاحِ أَوْ الْمَسْرَحِ أَوْ الْمَشْرَبِ أَوْ الرَّاعِي أَوْ الْفَحْلِ أَوْ الْمِحْلَب لَمْ يُضَمَّ مَالُ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ ، لِمَا رَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا عَلَى الْفَحْلِ وَالرَّعْيِ وَالْحَوْضِ } : فَنَصَّ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَنَبَّهَ عَلَى مَا سِوَاهَا ; وَلِأَنَّهُ إذَا تَمَيَّزَ كُلُّ وَاحِدٍ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَصِرْ كَمَالِ [ الرَّجُلِ ] الْوَاحِدِ فِي الْمُؤَنِ ، وَفِي الِاشْتِرَاكِ فِي الْحَلْبِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُحْلَبَ لَبَنُ أَحَدِهِمَا فَوْقَ لَبَنِ الْآخَرِ ، ثُمَّ يُقْسَمُ ، كَمَا يَخْلِطُ الْمُسَافِرُونَ أَزْوَادَهُمْ [ ثُمَّ ] يَأْكُلُونَ ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : لَا يَجُوزُ شَرْطُ حَلْبِ أَحَدِهِمَا فَوْقَ الْآخَرِ ; لِأَنَّ لَبَنَ أَحَدِهِمَا قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ لَبَنِ الْآخَرِ ، فَإِذَا اقْتَسَمَا بِالسَّوِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ رِبًا ; لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ ، وَهَلْ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُلْطَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهَا شَرْطٌ ; لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ النِّيَّةِ ( وَالثَّانِي ) : أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ ; لِأَنَّ الْخُلْطَةَ إنَّمَا أَثَّرَتْ فِي الزَّكَاةِ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى مُؤْنَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) : حَدِيثُ سَعْدٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُهَذَّبِ فِيهِ ( الْفَحْلُ وَالرَّاعِي ) : وَفِي بَعْضِهَا ( وَالرَّعْيُ ) : بِحَذْفِ الْأَلْفِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ ، وَكِلَاهُمَا مَرْوِيٌّ فِي الْحَدِيثِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ ، وَقَوْلُهُ : لِأَنَّ مَالَ الْكَافِرِ وَالْمُكَاتَبِ لَيْسَ بِزَكَاتِيٍّ ، الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لَيْسَ زَكَوِيٌّ كَرَحَوِيٍّ وَبَابِهِ . وَسَبَقَ أَنَّ الْمُرَاحَ مَأْوَاهَا لَيْلًا . وَأَمَّا الْمَسْرَحُ ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ : مِنْ أَصْحَابِنَا هُوَ الْمَرْتَعُ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ : هُوَ طَرِيقُهَا إلَى الْمَرْعَى . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَجْتَمِعُ فِيهِ لِتَسْرَحَ ، وَالْجَمِيعُ شَرْطٌ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَالْمِحْلَبُ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْإِنَاءُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ . الْمَحْلَبُ بِالْفَتْحِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ ، وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ الْأَوَّلَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ " وَفِي الْمِحْلَبِ وَجْهَانِ : " فَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ إسْكَانُهَا ، وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ . ( أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ ) : فَقَالَ أَصْحَابُنَا : نَوْعَا الْخُلْطَةِ يَشْتَرِكَانِ فِي اشْتِرَاطِ أُمُورٍ وَتَخْتَصُّ خُلْطَةُ الْجِوَارِ بِشُرُوطٍ ، فَمِنْ الْمُشْتَرَكِ كَوْنُ الْمُخْتَلَطِ نِصَابًا ، فَلَوْ مَلَكَ زَيْدٌ عِشْرِينَ شَاةً وَعَمْرٌو عِشْرِينَ فَخَلَطَا تِسْعَ عَشْرَةَ بِتِسْعَ عَشْرَةَ ، وَتَرَكَا شَاتَيْنِ مُنْفَرِدَتَيْنِ ، فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَتِهِمَا ، وَلَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَكَاةٌ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَلَوْ خَلَطَا تِسْعَ عَشْرَةَ بِتِسْعَ عَشْرَةَ ، شَاةٌ بِشَاةٍ ، وَجَبَتْ زَكَاةُ الْأَرْبَعِينَ بِالِاتِّفَاقِ ; لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِطَتَانِ بِأَرْبَعِينَ ، وَمِنْهَا كَوْنُ الْمُخَالِطَيْنِ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمَا الزَّكَاةُ ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَافِرًا أَوْ مُكَاتَبًا ، فَلَا أَثَرَ لِلْخُلْطَةِ بِلَا خِلَافٍ بَلْ إنْ كَانَ نَصِيبُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ نِصَابًا زَكَّاهُ زَكَاةَ الِانْفِرَادِ وَإِلَّا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا أَيْضًا لَا خِلَافَ فِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ . وَمِنْهَا دَوَامُ الْخُلْطَةِ سَنَةً عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَأَمَّا ) : الشُّرُوطُ الْمُخْتَصَّةُ بِخُلْطَةِ الْجِوَارِ فَمَجْمُوعُهَا عَشَرَةٌ ( مِنْهَا ) : مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ( وَمِنْهَا ) : مُخْتَلَفٌ فِيهِ ( أَحَدُهَا ) : اتِّحَادُ الْمَرَاحِ ( الثَّانِي ) : اتِّحَادُ الْمَشْرَبِ بِأَنْ تُسْقَى غَنَمُهُمَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ حَوْضٍ أَوْ مِنْ مِيَاهٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِحَيْثُ لَا تَخْتَصُّ غَنَمُ أَحَدِهِمَا بِالشُّرْبِ مِنْ مَوْضِعٍ وَغَنَمُ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِهِ . ( الثَّالِثُ ) : اتِّحَادُ الْمَسْرَحِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَجْتَمِعُ فِيهِ ، ثُمَّ تُسَاقُ إلَى الْمَرْعَى ( الرَّابِعُ ) : اتِّحَادُ الْمَرْعَى وَهُوَ الْمَرْتَعُ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ ، فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ( الْخَامِسُ ) : اتِّحَادُ الرَّاعِي وَفِيهِ طَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ شَرْطٌ ( وَالثَّانِي ) : حَكَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ : فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) : شَرْطٌ ( وَالثَّانِي ) : لَيْسَ بِشَرْطٍ فَلَا يَضُرُّ انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بِرَاعٍ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَمَعْنَى اتِّحَادِ الرَّاعِي أَنْ لَا يَخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِرَاعٍ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ لِمَاشِيَتِهِمَا رَاعِيَانِ أَوْ رُعَاةٌ لَا يَخْتَصُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَالْخُلْطَةُ صَحِيحَةٌ . ( السَّادِسُ ) : اتِّحَادُ الْفَحْلِ وَفِيهِ طَرِيقَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) : وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ شَرْطٌ ( وَالثَّانِي ) : حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) : شَرْطٌ ( وَالثَّانِي ) : لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُهُ ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْإِنْزَاءِ فِي مَكَان وَاحِدٍ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْمُرَادُ بِاتِّحَادِهِ أَنْ تَكُونَ الْفُحُولُ مُرْسَلَةً فِي مَاشِيَتِهِمَا لَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِفَحْلٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْفُحُولُ مُشْتَرَكَةً أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَوْ مُسْتَعَارَةً أَوْ غَيْرَهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ جَمْعًا . وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْفُحُولِ مُشْتَرَكَةً ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ضِعْفِهِ ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْفَحْلِ هُوَ فِيمَا إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ مَاشِيَتُهُمَا نَوْعًا وَاحِدًا ، فَلَوْ كَانَ مَالُ أَحَدِهِمَا ضَأْنًا ، وَمَالُ الْآخَرِ مَعْزًا وَخَلَطَاهُمَا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ فَحْلٌ يَطْرُقُ مَاشِيَتَهُ ، فَالْخُلْطَةُ صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ ، إذْ لَا يُمْكِنُ اخْتِلَاطُهُمَا فِي الْفَحْلِ ، وَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ مَالُ أَحَدِهِمَا ذُكُورًا وَمَالُ الْآخَرِ إنَاثًا مِنْ جِنْسِهِ ، فَإِنَّ الْخُلْطَةَ صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( السَّابِعُ ) : اتِّحَادُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ مَالُهُمَا شَرْطٌ كَاتِّحَادِ الْمُرَاحِ ، فَلَوْ حَلَبَ هَذَا مَاشِيَتَهُ فِي أَهْلِهِ وَذَاكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَلَا خُلْطَةَ ( الثَّامِنُ ) : اتِّحَادُ الْحَالِبِ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يَحْلُبُ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) : لَيْسَ بِشَرْطٍ ( وَالثَّانِي ) : يُشْتَرَطُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِحَالِبٍ يُمْنَعُ عَنْ حَلْبِ مَاشِيَةِ الْآخَرِ . ( التَّاسِعُ ) : اتِّحَادُ الْإِنَاءِ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ وَهُوَ الْمِحْلَبُ بِكَسْرِ الْمِيمِ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) : لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ آلَةِ الْجَزِّ بِلَا خِلَافٍ ( وَالثَّانِي ) : يُشْتَرَطُ فَعَلَى هَذَا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا إنَاءٌ وَاحِدٌ فَرْدٌ ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنْ تَكُونَ الْمَحَالِبُ فَوْضَى بَيْنَهُمْ ، فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِمِحْلَبٍ أَوْ مَحَالِبَ مَمْنُوعَةٍ مِنْ الْآخَرِ ، وَعَلَى هَذَا هَلْ يُشْتَرَطُ خَلْطُ اللَّبَنِ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ : الْمَذْكُورَانِ فِي الْكِتَابِ ( أَصَحُّهُمَا ) : عِنْدَ الْأَصْحَابِ : لَا يُشْتَرَطُ ، بَلْ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ أَحَدُهُمَا غَالِبًا أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ ، فَعَلَى هَذَا يَحْلُبُ أَحَدُهُمَا فِي الْإِنَاءِ وَيُفْرِغُهُ فِي وِعَائِهِ ، ثُمَّ يَحْلُبُ الْآخَرُ فِيهِ ( وَالثَّانِي ) : يُشْتَرَطُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ فَيَحْلُبُ لَبَنَ أَحَدِهِمَا فَوْقَ لَبَنِ الْآخَرِ وَلَا يَضُرُّ جَهَالَةُ قَدْرِهِمَا . قَالَ الْأَصْحَابُ : وَلَا يَضُرُّ جَهَالَةُ مِقْدَارِهِ ، وَيَتَسَامَحُونَ بِهِ كَمَا فِي خَلْطِ الْمُسَافِرِينَ أَزْوَادَهُمْ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي فِي خَلْطِ اللَّبَنِ ، وَلَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا جَمِيعًا ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَأْكُلُ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ قَطْعًا ; لِكَوْنِهِ أَكُولًا ، وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ هَذَا الْوَجْهِ الْأَصَحِّ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ اللَّبَنِ وَالْأَزْوَادِ بِأَنَّ الْمُسَامِرِينَ يَدْعُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا إلَى طَعَامِهِ ، فَهُوَ إبَاحَةٌ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ خَلْطِ اللَّبَنِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبَاحَةٌ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْأَصْحَابِ لِلْأَصَحِّ أَيْضًا بِأَنَّ اللَّبَنَ نَمَاءٌ ، فَلَا يُشْتَرَطُ الِاخْتِلَاطُ فِيهِ كَالصُّوفِ . هَذَا مُخْتَصَرُ الْكَلَامِ فِي الْحَالِبِ وَالْمِحْلَبِ وَخَلْطِ اللَّبَنِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : . سَبَبُ الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ خَلْطِ اللَّبَنِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ : وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ وَالزَّعْفَرَانِيّ فِي شُرُوطِ الْخُلْطَةِ : وَأَنْ يَحْلُبَا مَعًا . وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي الْأُمِّ . ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا أَنَّ اتِّحَادَ الْحَلَّابِ شَرْطٌ ، لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِهِ ، فَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَعْنَاهُ اتِّحَادُ الْإِنَاءِ وَخَلْطُ اللَّبَنِ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الرِّبَا ، هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْحَلَّابِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ . قَالَ ابْنُ كَجٍّ : فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : لَا يُشْتَرَطُ قَوْلًا وَاحِدًا ( وَالثَّانِي ) : عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهَا ) : قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَاخْتَلَفُوا فِي حِكَايَتِهِ ، فَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مُرَادُ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْحَلْبِ وَاحِدًا ، وَنَقَلَ الْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مُرَادُ الشَّافِعِيِّ الْإِنَاءُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مُرَادُ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ الْحَالِبُ وَاحِدًا ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فِي حِكَايَةِ مَذْهَبِ أَبِي إِسْحَاقَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ . ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) : يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْلُبَا مَعًا وَيَخْلِطَا اللَّبَنَ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ ( وَالثَّالِثُ ) : يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْحَالِبِ وَالْإِنَاءِ وَخَلْطُ اللَّبَنِ ، وَاخْتَصَرَ الرَّافِعِيُّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ : يُشْتَرَطُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْحَالِبِ وَلَا اتِّحَادُ الْإِنَاءِ وَلَا خَلْطُ اللَّبَنِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) : نِيَّةُ الْخَلْطِ فِيهَا وَجْهَانِ : مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْأَصْحَابِ : لَا يُشْتَرَطُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ : فِيمَا لَوْ اتَّفَقَتْ الْمَاشِيَةُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُشْتَرَطُ الِاجْتِمَاعُ فِيهِ بِنَفْسِهَا ، أَوْ فَرَّقَهَا الرَّاعِي وَلَمْ يَعْلَمْ الْمَالِكَانِ إلَّا بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ ، هَلْ تَنْقَطِعُ الْخُلْطَةُ أَمْ لَا ؟ ( أَمَّا ) : إذَا فَرَّقَاهَا هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَصْدًا ، فَتَنْقَطِعُ الْخُلْطَةُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَسِيرًا بِلَا خِلَافٍ لِفَقْدِ الشَّرْطِ ، وَأَمَّا التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ بِغَيْرِ قَصْدٍ ، فَلَا يُؤَثِّرُ بِالِاتِّفَاقِ ، لَكِنْ لَوْ اطَّلَعَا عَلَيْهِ ، فَأَقَرَّاهَا عَلَى تَفَرُّقِهَا انْقَطَعَتْ الْخُلْطَةُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَمَتَى ارْتَفَعَتْ الْخُلْطَةُ وَجَبَ عَلَى مَنْ بَلَغَ نُصِيبُهُ نِصَابًا زَكَاةُ الِانْفِرَادِ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ مِنْ يَوْمِ الْمِلْكِ لَا مِنْ يَوْمِ ارْتِفَاعِهَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية