الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 50 ] المسألة الرابعة : الذين قالوا : إن اسم المشرك لا يتناول إلا عبدة الأوثان قالوا : إن قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات ) نهي عن نكاح الوثنية ، أما الذين قالوا : إن اسم المشرك يتناول جميع الكفار قالوا : ظاهر قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات ) يدل على أنه لا يجوز نكاح الكافرة أصلا ، سواء كانت من أهل الكتاب أو لا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون من الأئمة قالوا : إنه يجوز للرجل أن يتزوج بالكتابية ، وعن ابن عمر ومحمد ابن الحنفية والهادي وهو أحد الأئمة الزيدية أن ذلك حرام ، حجة الجمهور قوله تعالى في سورة المائدة : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) [المائدة : 5] وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط .

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه : من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب ؟

                                                                                                                                                                                                                                            قلنا : هذا لا يصح من قبل أنه تعالى أولا أحل المحصنات من المؤمنات ، وهذا يدخل فيه من آمن منهن بعد الكفر ، ومن كن على الإيمان من أول الأمر ؛ ولأن قوله : ( من الذين أوتوا الكتاب ) [المائدة : 5] يفيد حصول هذا الوصف في حالة الإباحة ، ومما يدل على جواز ذلك ما روي أن الصحابة كانوا يتزوجون بالكتابيات ، وما ظهر من أحد منهم إنكار على ذلك ، فكان هذا إجماعا على الجواز .

                                                                                                                                                                                                                                            نقل أن حذيفة تزوج بيهودية أو نصرانية ، فكتب إليه عمر أن خل سبيلها ، فكتب إليه : أتزعم أنها حرام ؟ فقال : لا ولكنني أخاف .

                                                                                                                                                                                                                                            وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا " . ويدل عليه أيضا الخبر المشهور ، وهو ما روى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال في المجوس : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم " ، ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزا لكان هذا الاستثناء عبثا . واحتج القائلون بأنه لا يجوز لأمور :

                                                                                                                                                                                                                                            أولها : أن لفظ المشرك يتناول الكتابية على ما بيناه ، فقوله : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) صريح في تحريم نكاح الكتابية ، والتخصيص والنسخ خلاف الظاهر ، فوجب المصير إليه ، ثم قالوا : وفي الآية ما يدل على تأكيد ما ذكرناه ; وذلك لأنه تعالى قال في آخر الآية : ( أولئك يدعون إلى النار ) والوصف إذا ذكر عقيب الحكم ، وكان الوصف مناسبا للحكم ، فالظاهر أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، فكأنه تعالى قال : حرمت عليكم نكاح المشركات ؛ لأنهن يدعون إلى النار ، وهذه العلة قائمة في الكتابية ، فوجب القطع بكونها محرمة .

                                                                                                                                                                                                                                            والحجة الثانية لهم : أن ابن عمر سئل عن هذه المسألة فتلا آية التحريم وآية التحليل ، ووجه الاستدلال أن الأصل في الأبضاع الحرمة ، فلما تعارض دليل الحرمة تساقطا ، فوجب بقاء حكم الأصل ، وبهذا الطريق لما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين ، فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، فحكمتم عند ذلك بالتحريم للسبب الذي ذكرناه ، فكذا ههنا .

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الثالثة لهم : حكى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس تحريم أصناف النساء إلا المؤمنات ، واحتج بقوله تعالى : ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) [المائدة : 5] ، وإذا كان كذلك كانت كالمرتدة في أنه لا يجوز إيراد العقد عليها .

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الرابعة : التمسك بأثر عمر : حكي أن طلحة نكح يهودية ، وحذيفة نصرانية ، فغضب عمر [ ص: 51 ] رضي الله عنه عليهما غضبا شديدا ، فقالا : نحن نطلق يا أمير المؤمنين فلا تغضب . فقال : إن حل طلاقهن فقد حل نكاحهن ، ولكن أنتزعهن منكم .

                                                                                                                                                                                                                                            أجاب الأولون عن الحجة الأولى بأن من قال : اليهودي والنصراني لا يدخل تحت اسم المشرك فالإشكال عنه ساقط ، ومن سلم ذلك قال : إن قوله تعالى : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) [المائدة : 5] أخص من هذه الآية ، فإن صحت الرواية أن هذه الحرمة ثبتت ثم زالت جعلنا قوله : ( والمحصنات ) ناسخا ، وإن لم تثبت جعلناه مخصصا ، أقصى ما في الباب أن النسخ والتخصيص خلاف الأصل ، إلا أنه لما كان لا سبيل إلى التوفيق بين الآيتين إلا بهذا الطريق وجب المصير إليه .

                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله ثانيا : إن تحريم نكاح الوثنية إنما كان لأنها تدعو إلى النار ، وهذا المعنى قائم في الكتابية ، قلنا : الفرق بينهما أن المشركة متظاهرة بالمخالفة والمناصبة ، فلعل الزوج يحبها ، ثم إنها تحمله على المقاتلة مع المسلمين ، وهذا المعنى غير موجود في الذمية ; لأنها مقهورة راضية بالذلة والمسكنة ، فلا يفضي حصول ذلك النكاح إلى المقاتلة .

                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله ثالثا : إن آية التحريم والتحليل قد تعارضتا ، فنقول : لكن آية التحليل خاصة ومتأخرة بالإجماع ، فوجب أن تكون متقدمة على آية التحريم ، وهذا بخلاف الآيتين في الجمع بين الأختين في ملك اليمين ; لأن كل واحدة من تينك الآيتين أخص من الأخرى من وجه وأعم من وجه آخر ، فلم يحصل سبب الترجيح فيه .

                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله ههنا : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) [المائدة : 5] أخص من قوله : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) مطلقا ، فوجب حصول الترجيح .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما التمسك بقوله تعالى : ( فقد حبط عمله ) [المائدة : 5] .

                                                                                                                                                                                                                                            فجوابه : أنا لما فرقنا بين الكتابية وبين المرتدة في أحكام كثيرة ، فلم لا يجوز الفرق بينهما أيضا في هذا الحكم ؟

                                                                                                                                                                                                                                            وأما التمسك بأثر عمر فقد نقلنا عنه أنه قال : ليس بحرام ، وإذا حصل التعارض سقط الاستدلال . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية