الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                الاستدلال :

                                                                                                                وهو محاولة الدليل المفضي إلى الحكم الشرعي من جهة القواعد لا من الأدلة المنصوبة ، وفيه قاعدتان :

                                                                                                                القاعدة الأولى : في الملازمات .

                                                                                                                وضابط الملزوم : ما يحسن فيه لو ، واللازم : ما يحسن فيه اللام نحو قوله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) . وكقولنا إن كان هذا الطعام مهلكا ، فهو حرام تقديره لو كان مهلكا لكان حراما .

                                                                                                                [ ص: 155 ] فالاستدلال : إما بوجود الملزوم أو بعدمه ، أو بوجود اللازم أو بعدمه .

                                                                                                                فهذه الأربعة : منها اثنان منتجان ، واثنان عقيمان .

                                                                                                                فالمنتجان : الاستدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم ، وبعدم اللازم على عدم الملزوم ، فكل ما أنتج وجوده ، فعدمه عقيم ، وكل ما أنتج عدمه ، فوجوده عقيم إلا أن يكون اللازم مساويا للملزوم ، فتنتج الأربعة نحو قولنا : لو كان هذا إنسانا لكان ضاحكا بالقوة .

                                                                                                                ثم الملازمة قد تكون قطعية : كالعشرة مع الزوجية ، وظنية : كالنجاسة مع كأس الحجام ، وقد تكون كلية : كالتكليف مع العقل ، فكل مكلف عاقل في سائر الأزمان والأحوال ، فكليتها باعتبار ذلك لا باعتبار الأشخاص .

                                                                                                                وجزئية : كالوضوء مع الغسل ، فالوضوء لازم للغسل إذا سلم من النواقض حال إيقاعه فقط ، فلا جرم لم يلزم من انتفاء اللازم الذي هو الوضوء انتفاء الملزوم الذي هو الغسل لأنه ليس كليا بخلاف انتفاء العقل ، فإنه يوجب انتفاء التكليف في سائر الصور .

                                                                                                                القاعدة الثانية :

                                                                                                                أن الأصل في المنافع : الإذن ، وفي المضار : المنع بأدلة السمع لا بالعقل خلافا للمعتزلة .

                                                                                                                وقد تعظم المنفعة ، فيصحبها الندب ، أو الوجوب مع الإذن .

                                                                                                                وقد تعظم المضرة ، فيصحبها التحريم على قدر رتبتها ، فيستدل على الأحكام بهذه القاعدة .

                                                                                                                الاستحسان :

                                                                                                                قال الباجي : هو القول بأقوى الدليلين ، وعلى هذا يكون حجة إجماعا ، وليس كذلك .

                                                                                                                وقيل : هو الحكم بغير دليل ، وهذا اتباع للهوى ، فيكون حراما إجماعا .

                                                                                                                [ ص: 156 ] وقال الكرخي : هو العدول عما حكم به في نظائر مسألة إلى خلافه لوجه أقوى منه ، وهذا يقتضي أن يكون العدول عن العموم إلى الخصوص استحسانا ، ومن الناسخ إلى المنسوخ .

                                                                                                                وقال أبو الحسين : هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه ، وهو في حكم الطارئ على الأول ، فبالأول خرج العموم ، وبالثاني خرج ترك القياس المرجوح للقياس الراجح لعدم طريانه عليه ، وهو حجة عند الحنفية ، وبعض البصريين منا ، وأنكره العراقيون .

                                                                                                                الأخذ بالأخف :

                                                                                                                هو عند الشافعي - رحمه الله - حجة كما قيل في دية اليهودي إنها مساوية لدية المسلم .

                                                                                                                ومنهم من قال : نصف دية المسلم ، وهو قولنا ، ومنهم من قال : ثلثها أخذا بالأقل ، فأوجب الثلث فقط لأنه مجمع عليه ، وما زاد منفي بالبراءة الأصلية .

                                                                                                                العصمة :

                                                                                                                وهي : أن العلماء اختلفوا : هل يجوز أن يقول الله تعالى لنبي أو لعالم : احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب . فقطع بوقوع ذلك موسى بن عمران من العلماء ، وقطع جمهور المعتزلة بامتناعه ، وتوقف الشافعي في امتناعه وجوازه ، ووافقه الإمام فخر الدين - رحمه الله - .

                                                                                                                إجماع أهل الكوفة :

                                                                                                                ذهب قوم إلى أنه حجة لكثرة من وردها من الصحابة رضي الله عنهم كما قال مالك في إجماع المدينة .

                                                                                                                فهذه أدلة مشروعية الأحكام .

                                                                                                                [ ص: 157 ] قاعدة :

                                                                                                                يقع التعارض في الشرع بين الدليلين ، والبينتين ، والأصلين ، والظاهرين ، والأصل والظاهر ، ويختلف العلماء في جميع ذلك .

                                                                                                                فالدليلان : نحو قوله تعالى : ( إلا ما ملكت أيمانكم ) . وهو يتناول الجمع بين الأختين في الملك ، وقوله : ( وأن تجمعوا بين الأختين ) . يقتضي تحريم الجمع مطلقا ، ولذلك قال علي - رضي الله عنه - حرمتهما آية ، وأحلتهما آية ، وذلك كثير في الكتاب والسنة .

                                                                                                                واختلف العلماء هل يخير بينهما أو يسقطان .

                                                                                                                والبينتان : نحو شهادة بينة بأن هذه الدار لزيد ، وشهادة أخرى بأنها لعمرو ، فهل تترجح إحدى البينتين ؟ خلاف .

                                                                                                                والأصلان : نحو رجل قطع رجلا ملفوفا نصفين ، ثم نازع أولياؤه في أنه كان حيا حالة القطع ، فالأصل براءة الذمة من القصاص ، والأصل بقاء الحياة .

                                                                                                                فاختلف العلماء في نفي القصاص وثبوته ، أو التفرقة بين أن يكون ملفوفا في ثياب الأموات أو الأحياء ، ونحو العبد إذا انقطع خبره ، فهل تجب زكاة فطره لأن الأصل بقاء حياته ، أو لا تجب لأن الأصل براءة الذمة ؟ خلاف .

                                                                                                                والظاهران : نحو اختلاف الزوجين في متاع البيت ، فإن اليد ظاهرة في الملك ، ولكل واحد منهما يد ، فسوى الشافعي بينهما ، ورجحنا نحن أحدهما بالعادة .

                                                                                                                [ ص: 158 ] ونحو شهادة عدلين منفردين برؤية الهلال ، والسماء مصحية ، فظاهر العدالة الصدق ، وظاهر الصحو اشتراك الناس في الرؤية ، فرجح مالك العدالة ، ورجح سحنون الصحو .

                                                                                                                والأصل والظاهر : كالمقبرة القديمة الظاهر تنجيسها ، فتحرم الصلاة فيها ، والأصل عدم النجاسة .

                                                                                                                وكذلك اختلاف الزوجين في النفقة ظاهر العادة دفعها ، والأصل بقاؤها ، فغلبنا نحن الأول ، والشافعي الثاني .

                                                                                                                ونحو اختلاف الجاني مع المجني عليه في سلامة العضو أو وجوده ، الظاهر سلامة أعضاء الناس ، ووجودها ، والأصل براءة الذمة ، فاختلف العلماء في جميع ذلك ، واتفقوا على تغليب الأصل على الغالب في الدعاوى ، فإن الأصل براءة الذمة ، والغالب المعاملات لا سيما إذا كان المدعي من أهل الدين ، والورع .

                                                                                                                واتفقوا على تغليب الغالب على الأصل في البينة ، فإن الغالب صدقها ، والأصل براءة الذمة .

                                                                                                                فائدة : الأصل أن يحكم الشرع بالاستصحاب ، أو بالظهور إذا انفرد عن المعارض .

                                                                                                                وقد استثني من ذلك أمور لا يحكم فيها إلا بمزيد ترجيح يضم إليه أحدها ضم اليمين إلى النكول ، فيجتمع الظاهران ، وثانيها : تحليف المدعى عليه ، فيجتمع استصحاب البراءة مع ظهور اليمين .

                                                                                                                وثالثها : اشتباه الأواني والأثواب ، يجتهد فيها على الخلاف ، فيجتمع الأصل مع ظهور الاجتهاد ، ويكتفى في القبلة بمجرد الاجتهاد لتعذر [ ص: 159 ] انحصار القبلة في جهة حتى يستصحب فيها ، فهذه أدلة مشروعية الأحكام ، وتفاصيل أحوالها .

                                                                                                                وأما أدلة وقوع الأحكام بعد مشروعيتها ، فلا تعد ، ولا تقف عند حد ، فهي أدلة وقوع أسبابها ، وحصول شروطها ، وانتفاء موانعها ، وهي غير محصورة .

                                                                                                                وهي إما معلومة بالضرورة : كدلالة زيادة الظل على الزوال ، أو كمال العدة على الهلال ، وإما مظنونة : كالأقارير ، والبينات ، والأيمان ، والنكولات ، والأيدي على الأملاك ، وشعائر الإسلام عليه الذي هو شرط في الميراث ، وشعائر الكفر عليه ، وهو مانع من الميراث ، وهذا باب لا يعد ولا يحصى .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية