الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الركن الرابع الواجب

جزء التالي صفحة
السابق

فرع

قال : إذا استهلك الطعام أو الإدام فعليه مثله بموضع غصبه ، فإن لم يوجد هناك مثل لزمه أن يأتيه بمثله إلا أن يصطلحا على أمر جائز ، فإن لقيه بغير البلد لم يقض عليه بمثل ولا قيمة ، إنما عليه المثل بموضع الغصب ; لأنه مثلي ، والمواضع تختلف ، وعليه القيمة في العروض والرقيق والحيوان بالموضع وغيره ، نقصت القيمة بغير البلد أو زادت ، قال صاحب المقدمات : اختلف في نقل المغصوب من بلد إلى بلد على ثلاثة أقوال : أحدها : ذلك فوت ، وتخير بين أخذ متاعك وتضمينه قيمته يوم الغصب ، قاله أشهب ، وليس بفوت ، وليس لك إلا متاعك ، قاله سحنون ; لأن اختلاف البلدان كاختلاف الأسواق ليست بفوت ، والفرق بين العروض فتفوت ويخير بين أخذها أو يضمنه القيمة يوم الغصب في البلد الذي غصبها فيه ، وفي الحيوان المستغنى عن الكراء عليه كالدواب ، ووخش الرقيق - ليس بفوت ، فليس لك إلا أخذه ، وأما المحتاج إلى الكراء من الرقيق فكالعروض ، وفيهما ثلاثة أقوال : قولان متضادان ، وتفرقة . فأما الطعام فثلاثة أقوال : أحدها : ليس لك إلا [ ص: 309 ] مثل طعامك في بلد الغصب ، وثانيها : يخير بين أخذه وتضمينه مثله في بلد الغصب ، أو القريب ، فيخير بين أخذه أو يضمنه مثله في بلد الغصب ، وقال ( ح ) : إن وجد أحد النقدين في غير البلد فله أخذه دون قيمته ، وإن اختلف صرفها ، حملا لها على الغالب ; لأن الغالب في النقدين عدم الاختلاف ، وغير النقدين إن استوت القيمة أو زادت فكذلك ; لأنه لا ضرر عليه حينئذ . أو نقصت خير بين قيمته ببلد الغصب نفيا لظلامة تنقص القيمة ، وبين أخذها ; لأنه ماله أو ينتظر أخذها ببلد الغصب ، بخلاف نقص قيمتها في بلد الغصب ; لأن النقص لم يتبين عن فعل الغاصب ، وهاهنا تنشأ عن فعله ، وإن هلك المغصوب وقيمته هاهنا أقل ، فلك أخذ المثل في المثليات ، أو قيمته ببلد الغصب ، أو تنتظر أخذه ببلد الغصب نفيا لظلامة النقص ، أو زادت القيمة خير الغاصب بين دفع المثل في المثلي أو القيمة هاهنا في المقوم ; لأنها زيادة نشأت عن فعله فهي ماله ، وإن استوت فلك المطالبة لعدم الضرر عليكما ، وقال ابن حنبل : إن كان أحد النقدين أخذه ، أو مثليا واستوت القيمة أو نقصت رد مثله ، نفيا لظلامة النقص ومؤنة الحمل ، أو زادت والمؤنة خفيفة فكذلك رد المثلي من غير ضرر ، أو مؤنة كثيرة فلا ، لضرر المؤنة في نقله إلى بلد لا يستحق تسليمه فيه ، ويخير المغصوب منه بين الصبر إلى أخذه ببلده وبين القيمة الآن في بلد الغصب لتعذر رده ورد مثله ، وقال ( ش ) : أما المثلي فإن وجده في غير البلد خير بين أخذه وبين إلزامه رده إلى بلد الغصب ; لأنه عين ماله . ولا يلزمه حمله ( إلى بلد الغصب ) فترده للغاصب ، ( وله إلزامه القيمة هاهنا للحيلولة ، فإذا رده الغاصب ردت القيمة ، ولو تلف في البلد المنقول إليه [ ص: 310 ] لك طلبه بالمثل حيث ظفرت به ، وإن فقد المثل غرمته أكثر قيمة البلدين ، فإن تلف ببلد الغصب ) فلك المطالبة في البلد الثاني بالمؤنة ; لنقله كالدراهم والدنانير وإلا فلا ، بل لك القيمة ببلد التلف . ولو أتلفه الماء في مفازة فلقيه على شاطئ النيل أو الحل في الصيف فلقيته في الشتاء فليس لك إلا القيمة ، وأما القيمي : فلك أخذه حيث وجدته . هذا كله كلام الشافعي ، قال التونسي : الأحسن في الرقيق والحيوان أن يأخذه ، لأنها تمشي بخلاف العروض والأحسن أيضا من الأقوال : قول ابن القاسم في المثليات أن لا يأخذه ، بل مثله ببلد الغصب ; لأن مثل الطعام يقوم مقامه ، فلا يظلم الغاصب متى قدر على غرم المثل ، كما لو غصب قمحا فطحنه فأعدل الأقوال : يرد مثل القمح دون الدقيق ، وقال أصبغ : إن كان قريبا فلربه أخذه ، وإلا فلا ; لأنه لا ضرر على الغاصب في مؤنة ما حمله به للقريب ، وإذا أعطى مثل ما تعدى عليه في غير البلد جاز ، وإن أعطاه من غير صفته طعاما لم يجز ، كمن أعطى تمرا من قمح قبل الأجل من قرض ، قال اللخمي : إذا لقيه بغير بلد الغصب ، وأراد إغرامه المثل أو القيمة ، فليس ذلك له عند ابن القاسم ، بل يصير إلى بلد الغصب فيغرم هناك ، وله ذلك عند أشهب في المثلي والقيمة إن استوى سعر البلدين ، أو هو هاهنا أرخص ; لأنه لا ضرر على الغاصب ، وله أن يغرمه قيمته الآن بالبلد ، أو تعذر وجود المثل ، ويرجى وجوده بعد ، والأحسن أن يكون ذلك في المسألتين جميعا ; لأنه لا ضرر على الغاصب ، وللمغصوب منه مقال في استعجال حقه هذا إذا استهلكه ، أما إذا وجده مع [ ص: 311 ] الغاصب فالخلاف مشهور ، قال : وأرى أن يأخذ المثلي في ثلاثة مواضع : إذا كان الغاصب مستغرق الذمة ; لأنه إن ترك متاعه حلالا أخذه حراما ، وإذا استوى سعر البلدين ، أو هو هاهنا أرخص لعدم الضرر على الغاصب ، وله غرض في أخذ عين ماله ، وإذا قال : أنا أدفع الكراء أو ما زاد سوقه الأقل منهما لاندفاع ضرر الغاصب بذلك ، قال : والذي أراه في الجميع أن العبد والدابة وما يصل بنفسه ، أو حمولته خفيفة كالثوب ونحوه فيأخذه ، وإن كره الغاصب ; لأنه عين ماله ، وللغاصب أن يجبره على قبوله ، وإن كره لتبرأ ذمته إذا كان الطريق التي نقل منه مأمونا ، وإلا لم يجبر على قبوله ، وضمنه القيمة ، وإن كثرت مؤنة نقله ، وأحب الغاصب تسليمه فلك عدم القبول ; لأنك قد يكون غرضك أن يكون مالك ببلدك ، إلا أن يقول الغاصب : أنا أرده والطريق آمن ، فإن أحببت أخذه وامتنع الغاصب لأجل ما يتكلفه من الأجرة فذلك له على قول ابن القاسم ، فإن دفعت الأجرة سقط مقاله ، وليس عليه - على قول أشهب - شيء للحمل ، وإن كان قد زاد في الثمن كالسقي والعلاج على أحد القولين ; لأنه لا يغرم له شيئا ، وإن زاد في الثمن كالجص والتزويق ، فالمعروف من المذهب أن ليس عليه أن يرده إلى مكان الغصب ، وقيل : ذلك لك .

فرع : مرتب

في الجواهر : حيث حكم للمغصوب منه بالمثل في بلد الغصب ، إما لزوما أو اختيارا على الخلاف ، فلا يدفع الطعام المنقول إلى الغاصب حتى يتوثق منه ; لأن أقل أحوال عين ماله أن يكون كالرهن ، قال أشهب : يحال بينه وبينه ، حتى يوفي ما عليه .

تمهيد :

هذه المسألة - وهي نقل المغصوب - قد تشعبت فيها المذاهب ، واضطربت [ ص: 312 ] الآراء وتباينت كما ترى ، بناء على ملاحظة أصول وقواعد : أحدها : أن الغاصب لا ينبغي أن يغرم كلفة النقل ; لأن ماله معصوم كمال المغصوب منه ، وهذا الأصل لاحظه ابن القاسم فيما إذا وجد المثلي بغير البلد ، كما نقله صاحب الجواهر فيقول : لا تأخذ هذا المغصوب ; لأن حمله بأجرة ولا مثله هاهنا ، إذ لا فرق ، ولا القيمة لأنه مثلي ، فيتعين المثل ببلد الغصب ، وأشهب اطرح هذا الأصل ، وخيره بين أخذه أو مثله لمكان الغصب ، كما نقله في الجواهر : أما أخذه : فلأنه متاعه ، وأما مثله ببلد الغصب ، فلأنه قد يأخذ هذا فيحتاج له كلفة ، فلاحظ مصلحة المستحق دون الغاصب ، وتفرقة أصبغ بين القريب والبعيد لملاحظة الشائبتين فيحصل لها ثلاثة أصول : ملاحظة مصلحة الغاصب ، أو مصلحة المستحق ، أو يلغى ما خف دون ما عظم ، قال في الجواهر : وأما الحيوان فيأخذه حيث وجده ، فجعل هذا المذهب من غير تفصيل ، بناء على الأصل الأول ، وهو ظلامة الغاصب ; لأنها منفية هاهنا ، وعلى أصل رابع ، وهو تعلق الحق بعين المال بحسب الإمكان ، وهو مبني ( ش ) مع أصل آخر يأتي ، قال : وأما البز والعروض فيخير بين أخذه بناء على الأصل ( الرابع ، وأخذ قيمته في موضع الغصب أو السرقة بناء على أصل ) خامس ، وهو أن القيمة قد تزيد أو تنقص ، فوجب سقوط القيمة باعتبار هذه البلدة ، واعتبرنا القيمة ببلد الغصب وله على القيمة أخذ البز والعروض بغير البلد ، بخلاف المثلي ، والفرق بأصل سادس ، وهو : أن المثلي ، لا غرض في خصوصه ، وكل مثل يقوم مقامه مثله ، وهذه المختلفات تتعلق الأغراض بخصوصها ، ويقع الفرق بينها وبين الحيوان ، أن الحيوان يمشي بنفسه فلا كلفة على المستحق في رده بخلاف العروض ، وهو الأصل السابع ، وهاهنا أيضا أصل ثامن ، وهو أن النقل يوجب اختلاف القيم ، فهل هو كتغيير الصفات الموجبة لاختلاف القيم ، واختلاف الصفات يوجب التخيير للمستحق ، فكذلك اختلاف البقاع ، أو ليس كذلك ؟ واختلاف كحوالة الأسواق ، فيتعين أخذ العرض [ ص: 313 ] من غير تخيير ، ولا يجعل ذلك فوتا إلا إذا انضاف إليه مؤنة الحمل ، فيكون ذلك كفعل فعله الغاصب في العين فغيرها ، وعليه يتخرج القول بالتخيير في العروض دون الحيوان ، وأصل تاسع ، وهو مطالبة الغاصب بأعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم الحكم ، وهذا الأصل الآخر الذي ينبني عليه مذهب ( ش ) ، وأصل عاشر ، وهو أن النقدين هل يملك خصوصهما ويتعينان ، وهو مذهب ( ش ) ، وابن حنبل ، وغيرهما ، فيكون له أخذ عين النقد ، وليس للغاصب أن يعطيه غيره قياسا لهما على سائر المثليات ، أو لا يملك خصوصهما ولا يتعينان ، وللغاصب أن يعطي غيرهما ما لم يختص أحدهما بمزية ، وهو مشهورنا والفرق بينهما وبين المثليات : أنهما وسائل والمثليات مقاصد ، تبذل فيها الأعراض ، وهي مناط الأغراض ، وأما النقدان : فلا يتعلق بهما إلا التوسل للمقاصد ; فلا يلزم من اعتبار خصوصيات المقاصد اعتبار خصوصيات الوسائل ، فهذه عشرة أصول وقواعد بني عليها فقه هذه المسألة ، فإذا أحطت بها علما خرجت كل ما فيها من الخلاف عليها . فرع

في الكتاب : يرد الغاصب ما حدث عنده من ثمرة أو نسل أو صوف أو لبن ، فإن أكله فمثله أو قيمته في غير المثلي ، ولا نفقة له عليك في سقي أو رعي أو غيره ، لكن يقاص بذلك فيما بين يديه من غلة ، فإن عجزت لم يرجع عليك ، فإن ماتت الأمهات وبقي الولد أو الصوف أو اللبن خيرت في قيمة الأمهات ، ولا شيء لك فيما بقي من ولد أو غيره ، ولا ثمنه إن بيع ، أو تأخذ الولد وثمن ما بيع من صوف ولبن ونحوه ، وما أكل أو انتفع به من ذلك فعليه المثل ، أو القيمة في غير المثلي ، ولا شيء عليه من قبل الأمهات ; لأنه لو باع الأمة فولدت عند المبتاع ، ثم ماتت فليس لك الولد وقيمة الأم ، وإنما لك الثمن على الغاصب أو قيمتها يوم الغصب ، والولد من المبتاع ، ولا [ ص: 314 ] شيء لك على الغاصب من قيمة الأم ، ولكن للمبتاع الرجوع على الغاصب بالثمن ، ولا يجتمع على الغاصب ثمن وقيمة . وعليه كراء ما سكن وزرع ، أو اغتل من ربع أو أرض ، ويغرم ما أكراها به من غيره ، ما لم يحاب ، وإن لم يسكن ولا انتفع ولا اغتل فلا شيء عليه ، وما اغتصب أو سرق من دواب أو رقيق فاستعملها شهرا وطال مكثها بيده ، أو أكراها وقبض كراءها فلا شيء عليه في ذلك ، وله ما قبض من كراء ، وليس على الغاصب كراء ما ركب بخلاف ما سكن من الربع أو زرع ; لأنه أنفق على ذلك وهو لو أنفق على الصغير من رقيق أو حيوان حتى كبر فلك أخذه بزيادة ، ولا شيء له مما أنفق أو علف أو كسا ، ولو كان ذلك ربعا أحدث فيه عملا كان له ما أحدث فافترقا ، قال في النكت : إنما فرق بين الأصواف والألبان يردها ، وبين غلة العبد والدابة ; لأن غلتهما متكونة بسببه وفعله ، والصوف ونحوه تحدث بأنفسها ، ولأن الصوف ونحوه متولد عن الأعيان ، فلها حكمها ، وإنما فرق بين الربع والحيوان على أحد قوليه ; لأن الرباع مأمونة ، فلا ضمان غالبا ، ولا غلة له ، وقال ( ش ) : يرد سمن الشاة ولبنها وصوفها . قال صاحب المقدمات : الغلة في كون حكمها حكم المغصوب أم لا قولان : والثاني لأشهب : فعليه تلزمه قيمتها يوم قبضها أو أكثر ما انتهت إليه القيمة على الاختلاف في الشيء المغصوب ، والقائلون بأن حكمها حكمه أجمعوا إن تلفت ببينة فلا ضمان ، فإن ادعى تلفها لم يصدق ، كانت يغاب عليها أم لا .

وضبط الخلاف في الغلة : أنها ثلاثة أقسام : متولدة عن المغصوب على خلقته كالولد ، وعلى غير خلقته كالصوف ، وعلى غير خلقته كالأجرة ، فالأول : يرده اتفاقا مع الأمهات ، فإن ماتت يخير بين قيمة الأم والولد ، والثاني : في رده قولان ، وعلى الرد إن تلف المغصوب خيرت بين تضمينه القيمة ولا شيء لك في رد الغلة ، أو تأخذه بالغلة دون القيمة ، والثالث : فيه خمسة أقوال : للغاصب لك الفرق بين أن يكري في ذلك أو ينتفع أو يعطل فلا شيء لك ، والفرق بين أن يكري أو ينتفع فيرد وبين التعطيل فلا يرد ، والفرق بين الحيوان والأصول . وهذا كله فيما اغتل من العين مع [ ص: 315 ] بقائها أما بتصريفها وتحويل عينها كالدنانير فيتجر فيها ، والحب يزرعه فالغلة له قولا واحدا في المذهب ، وأما إن لم يقصد الرقبة ، بل المنفعة ضمن الغلة التي قصد غصبها أكرى أو انتفع أو عطل ، وفي الجواهر : عن ابن القاسم : يضمن غلة الإبل والغنم دون العبيد والدواب . وقال القاضي أبو بكر : الصحيح أن المنافع مال مضمون ، تلف تحت اليد العادية أو أتلفها المتعدي ، فأما منفعة البضع فلا تضمن إلا بالتفويت ، ففي الحرة صداق المثل ، وفي الأمة ما نقصها ، وكذلك منفعة بدن الحر ما لا تضمن إلا بالتفويت ، قال صاحب المقدمات : الخلاف المشهور في الخراج والاستخدام ، وأما المتولد عن الشيء كاللبن والصوف والثمرة : فالمنصوص الرد إن كان قائما أو الملكية والخرص إن كان فائتا ، وروى ابن المعدل عن مالك : أن المتولد لا يرد أيضا ولم أر هذه الرواية في كتاب ، وإنما أخبرني بها بعض أصحابنا ، ولا خلاف في الضمان بشبهة أن الغلة له ، وإنما الخلاف في غير الشبهة ، قال التونسي : لا يصدق في دعوى ضياع الغلة ; لأنه غير مأمون فإن ظهر هلاكها أخذت الرقبة لم يضمنها ; لأنها غير مغصوبة ، ولو أكل الغاصب الولد غرم قيمته يوم أفاته إذا أخذت الأمهات ، وإن غرم قيمة الأمهات فلا شيء عليه فيما أكل من ولد أو غلة ; لتولده عما غرم قيمته يوم الغصب ، وهذا هو القياس أن لا يضمن الإنسان ملكه ، وعند أشهب : للغلة والولد حكم المغصوب يوم ولد ، ويوم أخذت الغلة ، وعنده لو أغرمه قيمة الأمهات لفواتها لا يغرمه قيمة الولد إن مات ، وإن كان قائما أخذه مع قيمة الأم ، وهل عليه السقي والعلاج الذي تنشأ عنه الغلات ؟ قال ابن القاسم : ذلك عليك ما لم يتجاوز الثمرة . وقال عبد الملك : لا شيء عليك ; لأنه ليس له عين قائمة فهو كخياطة الغاصب الثوب ، ووجه الأول : كأن الثمرة هي السقي ، فكأنه باعها فهو أحق بها في الفلس ، وأسوة الغرماء في الموت . وكذلك اللبن والصوف ، وعلى قول عبد الملك فهو مطرد في الشفيع والمستحق ، ولو اشترى دارا فجصصها أو بيضها ، أو صغيرا فأنفق عليه حتى كبر فلا شيء ، لعدم عين قائمة .

[ ص: 316 ] فرع مرتب

على الخلاف في رد الغلة . وفي الموازية : إذا حضن الدجاجة من بيض غيرها أن عليك ما نقصت ، وكراء حضانتها . وقال : فيه نظر ; لأن النقص بسبب الحضانة ، وقد أغرمته النقص ، فكيف لك الكراء ؟ ! وقال : إذا حضنها من بيضها فهو مثل ولادتها ، ولك أخذ الجميع ، وإن حضن بيضها تحت غيرها لم يكن لك إلا مثل البيض كالقمح يزرع ، وقيل : تأخذ الفراخ كما إذا حضنتها . فرع مرتب

على الخلاف في رد العلاج . وقال ابن يونس : قال ابن القاسم أيضا : لا شيء في السقي والعلاج ; لأنه ليس له عين قائمة لا يقدر على أخذه ، ولا قيمة له بعد القلع ، كما لو غصب مركبا خرابا فقلفطه وزفته وكمل آلته ، ثم اغتله فلك أخذه ، ولا شيء عليك فيما أنفق إلا مثل الصاري والحبل ، وما يتحقق له ثمن فللغاصب أخذه ، وإن كان بموضع لا يستغنى عنه ، إما لعدم غيره ، أو للمشقة العظيمة ، خيرت بين قيمته بموضعه كيف كان أو تسلمه له .

فرع : آخر مرتب

قال : إذا سقى وعالج بشبهة كالمشتري والموهوب فعليك - عند ابن القاسم - قيمة ذلك ، ومنع عبد الملك .

فرع : آخر مرتب

قال اللخمي : إذا قلنا : يرد الغلة فغصب خرابا فأصلحه فهل يرد جميع الغلى ؟ قاله محمد ، أو ما ينوب الأصل قبل الإصلاح ، قاله أشهب ، والقولان في الدار الخراب التي لا تسكن . والمركب الخرب ، ولم يختلفوا إذا بنى الأرض ، ثم سكن أو استغل أنه لا يغرم سوى غلة القاعة ، وفي الجواهر : إذا أصلح الخراب [ ص: 317 ] وسكن واغتل غلة كثيرة فلك أخذها مصلحة ، وأخذ غلتها وكراء ما سكن ، وليس عليك مما أصلح شيء إلا قيمة ما لو نزعه كان له قيمة ، قاله محمد .

فرع : آخر مرتب

قال : إذا قلنا : يرد الغلة إذا غصب دراهم أو دنانير فربح فيها ، فثلاثة أقوال : قال مالك وابن القاسم : لا شيء لك إلا رأس المال لتقرر الضمان عليه بالتصرف ، استنفقها أو تجر فيها ، وعن ابن حبيب : إن تجر فيها موسرا فله الربح لقبول ذمته للضمان ، أو معسرا فلك ، لعدم قبولها في الولي يتجر في مال يتيمه ، وعن ابن سحنون : لك ما كنت تتجر فيها أن لو كانت في يديك ، قال : وأستحسن أن تقسم المسألة أربعة أقسام : إن كنت لا تتجر فيها لو كانت في يديك ، ولم يتجر فيها الغاصب ، بل قضاها في دين أو أنفقها فرأس المال لعدم تعيين تضييع ربح عليك ، وإن كنت تتجر فيها ولم يتجر الغاصب فلك ما كنت تربحه في تلك المدة ; لأنه حرمك إياه ، كما إذا أغلق الدار إلا أن يعلم أن التجارة في تلك المدة كانت غير مربحة ، وإن كانت لا تتجر فيها وتجر فيها الغاصب وهو موسر بغيرها ولم يعامل لأجلها ، فالربح له لتقررها في ذمته بالتصرف ، وإن كان فقيرا عومل لأجلها ، فالربح لك لقوة شبهة تحصيل ملك للربح كالولد في الحيوان ، وإن كنت تتجر فيها - وهو فقير - فعليه الأكثر مما ربح ، أو ما كنت تربحه .

فرع : آخر مرتب

قال صاحب الخصال : إذا قلنا : يرد أجر العقار فحابى في كراء الأرض أو الدار ، فعليه المحاباة مع الكراء .

تنبيه : قد تقدم نقل المقدمات في النقدين ، وأن الربح له اتفاقا ، وهذا الخلاف [ ص: 318 ] يأبى ذلك الاتفاق ، وقال ابن حنبل : إذا غصب ذهبا فتجر فيه أو عرضا فباعه وتجر بثمنه ، فذلك للمالك والمشترى من السلع له أيضا ، والأرباح له ، وقال ( ش ) و ( ح ) : الربح للغاصب . تنبيه : قول صاحب الشرع والعلماء : ( الخراج بالضمان ) ليس على ظاهره ، فإن ظاهره يقتضي أن الغاصب وغيره يأخذ الغلة بسبب أنه ضمن ، وليس كذلك ، فإن العين إذا لم تتغير ردها وبرئ من ضمانها ، ومع ذلك فله الغلة ، والعين لا تضمن إلا إذا هلكت أو تغيرت وإلا فلا ، ومعنى قولنا : المتعدي ضامن ، أي على تقدير التغير ، وإلا فلا ضمان ، وهذا التقرير هو أحد أسباب الخلاف ، فإنه لما كان توقع الضمان في العقار أبعد ، لم تكن الغلة للغاصب لضعف السبب ، أو يلاحظ أن الغلة مغصوبة فيضمن كما يضمن الأصل بناء أن الغصب وضع اليد العادية على مال الغير ، أو ليست مغصوبة بناء على أن الغصب فعل ، والغاصب لم يوجد منه فعل فلا يضمن . وقاله ( ح ) خلافا ل ( ش ) ، وابن حنبل ، ولظاهر قوله - عليه السلام - : ( الخراج بالضمان ) وفيه النظر لقاعدة أخرى أصولية ، وهي : أن اللفظ عام ، بالألف واللام فهل يلاحظ عموم اللفظ أو يلاحظ خصوص السبب ؟ وهو إنما ورد في المشتري للعبد فوجده معيبا فرده فطلب البائع خراج عبده فقال - عليه السلام - ذلك ، فعلى هذا يختص استحقاق الخراج بالضمان بشبهة بخلاف العدوان الصرف . لا ينبغي أن يكون سبب الملك ، ويعضده قوله - عليه السلام - : ( ليس لعرق ظالم حق ) وعرق الظالم ما يحدثه في المغصوب ، أو يلاحظ الفروق المتقدمة ، فهذه مدارك هذه المسألة .

[ ص: 319 ] نظائر : قال ابن يونس : الغلة للمشتري في خمسة مواضع : الاستحقاق ، والبيع الفاسد ، والرد بالعيب ، والفلس ، والأخذ بالشفعة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث