الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وقع في الماء الراكد نجاسة ولم تغيره

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وإن كانت النجاسة ميتة لا نفس لها سائلة كالذباب والزنبور وما أشبههما ففيه قولان ( أحدهما ) : أنها كغيرها من الميتات ; لأنه حيوان لا يؤكل بعد موته لا لحرمته ، فهو كالحيوان الذي له نفس سائلة .

( والثاني ) : أنه لا يفسد الماء لما روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء } ، وقد يكون الطعام حارا فيموت بالمقل فيه ، فلو كان يفسده لما أمر بمقله ليكون شفاء لنا إذا أكلناه ، فإن كثر من ذلك ما غير الماء ففيه وجهان .

( أحدهما ) : أنه ينجس ; لأنه ماء تغير بالنجاسة ، ( والثاني ) : لا ينجس ; لأن ما لا ينجس الماء إذا وقع فيه وهو دون القلتين لم ينجسه ، وإن تغير به كالسمك والجراد ) .

التالي السابق


( الشرح ) : هذا الحديث صحيح رواه البخاري بمعناه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وفيه : { فليغمسه كله ثم لينزعه } ورواه أبو داود في سننه وزاد : { وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله } ورواه [ ص: 179 ] البيهقي عن أبي سعيد الخدري أيضا ومعنى ، امقلوه اغمسوه كما في رواية البخاري .

قال الخطابي : فيه من الفقه أن أجسام الحيوان طاهرة إلا ما دلت عليه السنة من الكلب وما ألحق به ، قال : وقد تكلم على هذا الحديث بعض من لا خلاق له ، وقال : كيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة ؟ وكيف نعلم ذلك حتى نقدم جناح الداء ؟ قال الخطابي : وهذا سؤال جاهل أو متجاهل . وأن الذي يجد نفسه ونفوس عامة الحيوان قد جمع فيه الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، وهي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت ، ثم يرى الله عز وجل قد ألف بينها وجعلها سببا لبقاء الحيوان وصلاحه لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والدواء في جزأين من حيوان واحد ، وأن الذي ألهم النحل اتخاذ ثقب عجيب الصنعة وتعسل فيه ، وألهم النملة كسب قوتها وادخاره لأوان حاجتها إليه ، هو الذي خلق الذبابة وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحا وتؤخر آخر لما أراد من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد ، والامتحان الذي هو مضمار التكليف ، وفي كل شيء حكمة وعلم { وما يذكر إلا أولوا الألباب } والله أعلم .

[ ص: 180 ] وقوله : " ما لا نفس لها سائلة " يعني ما ليس لها دم يسيل ، والنفس الدم ويجوز في إعراب سائلة ثلاثة أوجه . الفتح : بلا تنوين ، والنصب والرفع : مع التنوين فيهما ، والزنبور بضم الزاي ، وقوله : لأنه حيوان لا يؤكل بعد موته ، فيه احتراز من السمك والجراد ، وقوله : لا لحرمته احتراز من الآدمي ، فإنه لا ينجس الماء بميتته على الصحيح وهو تفريع على القول بطهارة ميتته ، وسنوضحه إن شاء الله تعالى .

قال أصحابنا : والميتة التي لا نفس لها سائلة هي كالذباب والزنبور والنحل والنمل والخنفساء والبق والبعوض والصراصير والعقارب ، وبنات وردان والقمل ، والبراغيث وأشباهها ، وممن صرح بالقمل والبراغيث الإمام الشافعي في الأم ، والشيخ أبو حامد وآخرون .

وأما الحية فحكى الماوردي فيها وجهين : أحدهما وهو قول أبي القاسم الداركي وصاحبه الشيخ أبي حامد الإسفراييني : لها نفس سائلة والثاني : وهو قول أبي الفياض البصري وصاحبه أبي القاسم الصيمري : ليس لها نفس سائلة ، والأول أصح .

وأما الوزغ فقطع الجمهور بأنه لا نفس له سائلة ، ممن صرح بذلك الشيخ أبو حامد في تعليقه والبندنيجي والقاضي حسين وصاحب الشامل وغيرهم . ونقل الماوردي فيه وجهين كالحية ، وقطع الشيخ نصر المقدسي بأن له نفسا سائلة قال : وقد ذكره أبو عبيد في كتاب الطهور ، وأنه قتل فوجد في رأسه دم ، وكذا رأيت أنا في كتاب الطهور لأبي عبيد : أن الوزغ والحية لهما نفس سائلة ، ودم في رءوسهما ، ( إذا ثبت ما ذكرناه ) ، فإذا مات ما لا نفس لها سائلة في دون القلتين من الماء فهل ينجس ؟ فيه قولان مشهوران في كتب المذهب ، ونص عليهما الشافعي في الأم والمختصر ، وهذه أول مسألة ذكر في الأم فيها قولين قال إمام الحرمين ، وذكر صاحب التقريب قولا ثالثا مخرجا ، وهو أن ما يعم لا ينجسه كالذباب والبعوض ونحوهما ، وما لا يعم كالخنافس والعقارب والجعلان ينجسه ; نظرا إلى تعذر الاحتراز وعدمه ، وهذا القول غريب ، والمشهور : إطلاق قولين ، والصحيح منهما : أنه لا ينجس الماء ، هكذا صححه الجمهور .

وقطع به أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي في كتابه الكفاية وصاحبه أبو الفتح نصر المقدسي في كتابه الكافي وغيرهما ، وشذ المحاملي في المقنع والروياني في [ ص: 181 ] البحر ورجحا النجاسة ، وهذا ليس بشيء ، والصواب : الطهارة ، وهو قول جمهور العلماء ، بل نسب جماعة الشافعي إلى خرق الإجماع في قوله الآخر بالنجاسة .

قال ابن المنذر في الأشراف : قال عوام أهل العلم لا يفسد الماء بموت الذباب والخنفساء ونحوهما ، قال : ولا أعلم فيه خلافا إلا أحد قولي الشافعي ، وكذا قال ابن المنذر أيضا في كتاب الإجماع : أجمعوا أن الماء لا ينجس بذلك ، إلا أحد قولي الشافعي ، وقد نقل الخطابي وغيره عن يحيى بن أبي كثير أنه قال : ينجس الماء بموت العقرب فيه ، ونقله بعض أصحابنا عن محمد بن المنكدر ، وهذان إمامان من التابعين ، فلم يخرق الشافعي ، الإجماع ، فإذا قلنا بالصحيح إنه لا ينجس الماء ، فلو كثر هذا الحيوان فغير الماء فهل ينجسه ؟ فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف .

قال الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمحاملي في المجموع وصاحب العدة وغيرهم : هذان الوجهان حكاهما أبو حفص عمر بن أبي العباس بن سريج عن أبيه ، والأصح منهما : أنه ينجسه وصححه الشاشي والرافعي وآخرون ، وقطع به الدارمي في الاستذكار وابن كج في التجريد ; لأنه ماء تغير بالنجاسة ، والوجهان جاريان سواء كان الماء المتغير به قليلا أو كثيرا ، وممن صرح بجريانهما فيما دون القلتين القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وأشار إلى جريانهما أيضا الشيخ أبو حامد ، ويجريان في الطعام المتغير بهذا الحيوان ، ذكره الشيخ أبو حامد .

قال صاحب البيان : فإن قلنا : لا ينجس الماء المتغير به كان طاهرا غير طهور ، قال : وكذا ما تغير بسمك أو جراد يكون طاهرا غير مطهر .

وحكاه أيضا عن الصيدلاني ، وقال إمام الحرمين : يكون على هذا الوجه كالمتغير بورق الشجر يعني : فيكون فيه الخلاف السابق في الورق ، والصواب : ما ذكره الصيدلاني وصاحب البيان ; لأنه ليس بأقل من المتغير بزعفران ونحوه والله أعلم .

( فرع ) هذان القولان السابقان إنما هما في نجاسة الماء بموت هذا الحيوان ، وأما الحيوان نفسه ففيه طريقان . أحدهما : أن في نجاسته القولين إن قلنا : نجس نجس الماء وإلا فلا ، وهذا قول القفال ( والثاني ) : القطع بنجاسة [ ص: 182 ] الحيوان ، وبهذا قطع العراقيون وغيرهم ، وهو الصحيح ; لأنه من جملة الميتات ، ومذهب مالك وأبي حنيفة أنه لا ينجس بالموت ، دليلنا : أنه ميتة وإنما لا ينجس الماء ; لتعذر الاحتراز منه .

( فرع ) القولان بنجاسة الماء بموته يجريان في جميع المائعات والأطعمة ، صرح به أصحابنا واتفقوا عليه ، والصحيح في الجميع : الطهارة للحديث وعموم البلوى وعسر الاحتراز .

( فرع ) هذا الخلاف السابق إنما هو في نجاسة الماء وسائر المائعات وغيرها بموت حيوان أجنبي عنه ، أما الدود المتولد في الأطعمة والماء كدود التين ، والتفاح ، والباقلاء والجبن ، والخل ، وغيرها فلا ينجس ما مات فيه بلا خلاف ، هكذا صرح به الأصحاب في كل الطرق ، قال الرافعي وغيره : وينجس هذا الحيوان على المذهب ولا ينجس على قول عند القفال ، وأما ما شذ به الدارمي في الاستذكار فقال : قال بعض الأصحاب : في نجاسة المائع بهذا الحيوان خلاف ، فغلط لا يعد من المذهب ، وإنما نبهت عليه لئلا يغتر به ، فالصواب : ما اتفق عليه الأصحاب وهو الجزم بطهارته .

قال إمام الحرمين : فإن انعصر هذا الحيوان فيما يجري من تصرف وعصر ، أو اختلط من غير قصد ، فلا مبالاة به ، وإن جمع جامع منه شيئا وتعمد أكله منفردا فوجهان أصحهما : تحريمه ; لأنه ميتة ( والثاني ) : يحل ; لأن دود الخل والجبن كجزء منه طبعا وطعما ، قال الإمام : فإن حرمناه عاد الخلاف في نجاسته يعني خلاف القفال والجمهور ، وذكر غير الإمام في جواز أكل هذا الحيوان مع ما مات فيه وجهين ، قال الغزالي في الوجيز : لا يحرم أكله مع الطعام على الأصح ، وجمع الرافعي هذا الخلاف فقال : في جواز أكله ثلاثة أوجه أصحها : يجوز أكله مع ما تولد منه لا منفردا .

( والثاني ) : يجوز مطلقا .

( والثالث ) : يحرم مطلقا ، وأما الذباب وسائر ما لا نفس لها سائلة وليس متولدا مما مات فيه فلا يحل أكله بالاتفاق ، وإن قلنا إنه طاهر عند القفال ; لأنه ميتة ومستقذر ، قال أصحابنا : فإن أخرج هذا الحيوان مما مات فيه وألقي في مائع غيره أورد إليه فهل ينجسه ؟ فيه القولان في الحيوان الأجنبي ، وهذا متفق عليه في الطريقتين .

[ ص: 183 ] فرع ) ما يعيش في البحر مما له نفس سائلة إن كان مأكولا فميتته طاهرة ولا شك أنه لا ينجس الماء ، وما لا يؤكل كالضفدع وكذا غيره إذا قلنا لا يؤكل ، فإذا مات في ماء قليل أو مائع قليل أو كثير نجسه ، صرح به أصحابنا في طرقهم وقالوا : لا خلاف فيه ، إلا صاحب الحاوي فإنه قال : في نجاسته به قولان ، ولعله أراد أن في نجاسته به خلافا مبنيا على حل أكله ، وإن أراد مع تحريم أكله فشاذ مردود .

وذكر الروياني في الضفدع وجهين ( أحدهما ) : لا نفس لها سائلة فيكون في نجاسة الماء بها قولان ( والثاني ) : لها نفس سائلة فتنجسه قطعا ، وهذا الثاني هو المشهور في كتب الأصحاب ، وجعلوا المسألة خلافية ، فحكوا هم وابن المنذر عن مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي عبيد : أن الضفدع لا ينجس ما مات فيه ، وكذلك السرطان ، ومذهبنا : أنه ينجسه والله أعلم .

( فرع ) الآدمي الذي لا نجاسة عليه مسلما كان أو كافرا إذا مات في ماء دون قلتين أو في مائع قليل أو كثير ، فهل ينجس ما مات فيه ؟ فيه قولان بناء على نجاسته بالموت والصحيح : أنه لا ينجس ، فلا ينجسه .

( فرع ) إذا قلنا بالقول الضعيف ، وهو أن ما ليس له نفس سائلة ينجس ما مات فيه ، فالجواب عن الحديث ما أجاب به الشافعي والأصحاب أنه لا يلزم من المقل الموت فإن قيل : لا يؤمن الموت لا سيما إن كان الطعام حارا ، قلنا : لا يمتنع أن يقصد مصلحة الشيء ، وإن احتمل تلفه ، كما يقصد بالقصد وشرب الدواء المصلحة ، وقد يفضي إلى التلف ، فإن قيل : لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن أكله على تقدير موته ، قلنا : قد تقرر نجاسة الميتة وما ماتت فيه ، فلا حاجة إلى ذكره في كل حديث ، وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث