الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 246 ] قوله عز وجل : ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) .

( للفقراء ) ، قال الزمخشري : بدل من قوله : ( ولذي القربى ) ، والمعطوف عليه والذي منع الإبدال من ( لله وللرسول ) ، [ ص: 247 ] والمعطوف عليهما ، وإن كان المعنى لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن الله عز وجل أخرج رسوله من الفقراء في قوله : ( وينصرون الله ورسوله ) ، وأنه يترفع برسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن التسمية بالفقير ، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وعلا . انتهى . وإنما جعله الزمخشري بدلا من قوله : ( ولذي القربى ) ، لأنه مذهب أبي حنيفة ، والمعنى إنما يستحق ذو القربى الفقير . فالفقر شرط فيه على مذهب أبي حنيفة ، ففسره الزمخشري على مذهبه . وأما الشافعي ، فيرى أن سبب الاستحقاق هو القرابة ، فيأخذ ذو القربى الغني لقرابته .

وقال ابن عطية : ( للفقراء المهاجرين ) بيان لقوله : ( والمساكين وابن السبيل ) ، وكررت لام الجر لما كانت الأولى مجرورة باللام ، ليبين بين الأغنياء منكم ، أي ولكن يكون للفقراء . انتهى . ثم وصف تعالى المهاجرين بما يقتضي فقرهم ويوجب الإشفاق عليهم . ( أولئك هم الصادقون ) : أي في إيمانهم وجهادهم قولا وفعلا . والظاهر أن قوله : ( والذين تبوءوا ) معطوف على المهاجرين ، وهم الأنصار ، فيكون قد وقع بينهم الاشتراك فيما يقسم من الأموال . وقيل : هو مستأنف مرفوع بالابتداء ، والخبر ( يحبون ) . أثنى الله تعالى بهذه الخصال الجليلة ، كما أثنى على المهاجرين بقوله : ( يبتغون فضلا ) إلخ ، " والإيمان " معطوف على " الدار " ، وهي المدينة ، والإيمان ليس مكانا فيتبوأ . فقيل : هو من عطف الجمل ، أي واعتقدوا الإيمان وأخلصوا فيه ، قاله أبو علي ، فيكون كقوله :


علفتها تبنا وماء باردا



أو يكون ضمن ( تبوءوا ) معنى لزموا ، واللزوم قدر مشترك في الدار والإيمان ، فيصح العطف . أو لما كان الإيمان قد شملهم ، صار كالمكان الذي يقيمون فيه ، لكن يكون ذلك جمعا بين الحقيقة والمجاز . قال الزمخشري : أو أراد دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه ; أو سمى المدينة ، لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان بالإيمان . وقال ابن عطية : والمعنى تبوءوا الدار مع الإيمان معا ، وبهذا الاقتران يصح معنى قوله : ( من قبلهم ) فتأمله . انتهى . ومعنى ( من قبلهم ) : من قبل هجرتهم ، ( حاجة ) : أي حسدا ، ( مما أوتوا ) : أي مما أعطي المهاجرون ، ونعم الحاجة ما فعله الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، في إعطاء المهاجرين من أموال بني النضير والقرى .

( ويؤثرون على أنفسهم ) : من ذلك قصة الأنصاري مع ضيف الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، حيث لم يكن لهم إلا ما يأكل الصبية ، فأوهمه أنه يأكل حتى أكل الضيف ، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام : " عجب الله من فعلكما البارحة " ، فالآية مشيرة إلى ذلك . وروي غير ذلك في إيثارهم . والخصاصة : الفاقة ، مأخوذة من خصاص البيت ، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتوح ، فكأن حال الفقير هي كذلك ، يتخللها النقص والاحتياج . وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة : شح بكسر الشين . والجمهور : بإسكان الواو وتخفيف القاف وضم الشين ، والشح : اللؤم ، وهو كزازة النفس على ما عندها ، والحرص على المنع . قال الشاعر :


يمارس نفسا بين جنبيه كزة     إذا هم بالمعروف قالت له مهلا



وأضيف الشح إلى النفس لأنه غريزة فيها . وقال تعالى : ( وأحضرت الأنفس الشح ) ، وفي الحديث : " من أدى الزكاة المفروضة وقرى الضيف وأعطى في النائبة فقد برئ من الشح " . ( والذين جاءوا من بعدهم ) : الظاهر أنه معطوف على ما قبله من المعطوف على المهاجرين . فقال الفراء : هم الفرقة الثالثة من الصحابة ، وهو من آمن أو كفر في آخر مدة النبي ، صلى الله عليه وسلم . وقال الجمهور : أراد من يجيء من التابعين ، فعلى القول الأول : يكون معنى ( من بعدهم ) : أي من بعد المهاجرين والأنصار السابقين بالإيمان ، وهؤلاء تأخر إيمانهم ، أو سبق إيمانه وتأخرت وفاته حتى انقرض معظم المهاجرين والأنصار . وعلى [ ص: 248 ] القول الثاني : يكون معنى ( من بعدهم ) : أي من بعد ممات المهاجرين ، مهاجريهم وأنصارهم . وإذا كان ( والذين ) معطوفا على المجرور قبله ، فالظاهر أنهم مشاركو من تقدم في حكم الفيء .

وقال مالك بن أوس : قرأ عمرو ( إنما الصدقات للفقراء ) الآية ، فقال : هذه لهؤلاء ، ثم قرأ : ( واعلموا أنما غنمتم ) ، فقال : وهذه لهؤلاء ، ثم قرأ : ( ما أفاء الله على رسوله ) حتى بلغ ( للفقراء المهاجرين ) إلى ( والذين جاءوا من بعدهم ) . ثم قال : لئن عشت لنؤتين الراعي وهو يسير نصيبه منها . وعنه أيضا : أنه استشار المهاجرين والأنصار فيما فتح الله عليه من ذلك في كلام كثير ، آخره أنه تلا : ( ما أفاء الله على رسوله ) الآية ، فلما بلغ ( أولئك هم الصادقون ) قال : هي لهؤلاء فقط ، وتلا : ( والذين جاءوا من بعدهم ) الآية ، إلى قوله : ( رءوف رحيم ) ; ثم قال : ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك . وقال عمر رضي الله تعالى عنه : لولا من يأتي من آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، خيبر . وقيل : ( والذين جاءوا من بعدهم ) مقطوع مما قبله ، معطوف عطف الجمل ، لا عطف المفردات ; فإعرابه : ( والذين ) مبتدأ ، ندبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم ، وهم من يجيء بعد الصحابة إلى يوم القيامة ، والخبر ( يقولون ) ، أخبر تعالى عنهم بأنهم لإيمانهم ومحبة أسلافهم ( يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ) ، وعلى القول الأول يكون ( يقولون ) استئناف إخبار ، قيل : أو حالا .

( ألم تر إلى الذين نافقوا ) الآية : نزلت في عبد الله بن أبي ورفاعة بن التابوت وقوم من منافقي الأنصار ، كانوا بعثوا إلى بني النضير بما تضمنته الجمل المحكية بقوله : ( يقولون ) ، واللام في ( لإخوانهم ) للتبليغ ، والأخوة بينهم أخوة الكفر وموالاتهم ، ( ولا نطيع فيكم ) : أي في قتالكم ، ( أحدا ) : من الرسول والمؤمنين ; أو ( لا نطيع فيكم ) : أي في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة ، و ( لننصرنكم ) : جواب قسم محذوف قبل " إن " الشرطية ، وجواب إن محذوف ، والكثير في كلام العرب إثبات اللام المؤذنة بالقسم قبل أداة الشرط ، ومن حذفها قوله : ( وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا ) ، التقدير : ولئن لم ينتهوا لكاذبون ، أي في مواعيدهم لليهود ، وفي ذلك دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب ، ولذلك لم يخرجوا حين أخرج بنو النضير ، بل أقاموا في ديارهم ، وهذا إذا كان قوله : ( لإخوانهم ) أنهم بنو النضير . وقيل : هم يهود المدينة ، والضمائر على هذين القولين . وقيل : فيها اختلاف ، أي لئن أخرج اليهود لا يخرج المنافقون ، ولئن قوتل اليهود لا ينصرهم المنافقون ، ولئن نصر اليهود المنافقين ليولي اليهود الأدبار ، وكأن صاحب هذا القول نظر إلى قوله : ( ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ) ، فقد أخبر أنهم لا ينصرونهم ، فكيف يأتي ( ولئن نصروهم ) ؟ فأخرجه في حيز الإمكان ، وقد أخبر أنهم لا ينصرونهم ، فلا يمكن نصرهم إياهم بعد إخباره تعالى أنه لا يقع . وإذا كانت الضمائر متفقة ، فقال الزمخشري : معناه ولئن نصروهم على الفرض ، والتقدير كقوله : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) ، وكما يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون . وقال ابن عطية : معناه : ولئن خالفوا ذلك فإنهم ينهزمون . انتهى . والظاهر أن الضمير في ( ليولن الأدبار ) ، وفي ( ثم لا ينصرون ) عائد على المفروض أنهم ينصرونهم ، أي ولئن نصرهم المنافقون ليولن المنافقون الأدبار ، ثم لا ينصر المنافقون . وقيل : الضمير في التولي عائد على اليهود ، وكذا في ( لا ينصرون ) . قال ابن عطية : وجاءت الأفعال غير مجزومة في قوله : ( لا يخرجون ) و ( لا ينصرون ) لأنها راجعة على حكم القسم ، لا على حكم الشرط ، وفي هذا نظر . انتهى . وأي نظر في هذا ؟ وهذا جاء على القاعدة المتفق عليها من أنه إذا تقدم القسم على الشرط كان الجواب للقسم وحذف جواب الشرط ، وكان فعله بصيغة المضي ، أو مجزوما بلم ، وله شرط ، وهو أن لا يتقدمه طالب خبر . واللام في ( لئن ) مؤذنة بقسم محذوف قبله ، فالجواب له . وقد أجاز الفراء أن يجاب الشرط ، [ ص: 249 ] وإن تقدم القسم ، ورده عليه البصريون . ثم خاطب المؤمنين بأن هؤلاء يخافونكم أشد خيفة من الله تعالى ، لأنهم يتوقعون عاجل شركم ، ولعدم إيمانهم لا يتوقعون أجل عذاب الله ، وذلك لقلة فهمهم ، و ( رهبة ) : مصدر رهب المبني للمفعول ، كأنه قيل : أشد مرهوبية ، فالرهبة واقعة منهم لا من المخاطبين ، والمخاطبون مرهوبون ، وهذا كما قال :


فلهو أخوف عندي إذ أكلمه     وقيل إنك مأسور ومقتول
من ضيغم بثراء الأرض مخدرة     ببطن عثر غيل دونه غيل



فالمخبر عنه مخوف لا خائف ، والضمير في ( صدورهم ) . قيل : لليهود ، وقيل : للمنافقين ، وقيل : للفريقين . وجعل الصدر مقرا للرهبة دليل على تمكنها منهم بحيث صارت الصدور مقرا لها ، والمعنى : رهبتهم منكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل . ( لا يقاتلونكم ) : أي بنو النضير وجميع اليهود . وقيل : اليهود والمنافقون ( جميعا ) : أي مجتمعين متساندين يعضد بعضهم بعضا ، ( إلا في قرى محصنة ) : لا في الصحراء لخوفهم منكم وتحصينها بالدروب والخنادق ، أو من وراء جدار يتسترون به من أن تصيبوهم . وقرأ الجمهور : ( جدر ) بضمتين ، جمع جدار ; وأبو رجاء والحسن وابن وثاب : بإسكان الدال تخفيفا ، ورويت عن ابن كثير وعاصم والأعمش . وقرأ أبو عمرو وابن كثير وكثير من المكيين : جدار بالألف وكسر الجيم . وقرأ كثير من المكيين وهارون عن ابن كثير : جدر بفتح الجيم وسكون الدال . قال صاحب اللوامح : وهو واخذ بلغة اليمن . وقال ابن عطية : ومعناه أصل بنيان كالسور ونحوه . قال : ويحتمل أن يكون من جدر النخل ، أي من وراء نخلهم ، إذ هي مما يتقى به عند المصافة . ( بأسهم بينهم شديد ) : أي إذا اقتتلوا بعضهم مع بعض . كان بأسهم شديدا ; أما إذا قاتلوكم ، فلا يبقى لهم بأس ، لأن من حارب أولياء الله خذل . ( تحسبهم جميعا ) : أي مجتمعين ، ذوي ألفة واتحاد . ( وقلوبهم شتى ) : أي وأهواؤهم متفرقة ، وكذا حال المخذولين ، لا تستقر أهواؤهم على شيء واحد ، وموجب ذلك الشتات هو انتفاء عقولهم ، فهم كالبهائم لا تتفق على حالة . وقرأ الجمهور : ( شتى ) بألف التأنيث ; ومبشر بن عبيد : منونا ، جعلها ألف الإلحاق ; وعبد الله : وقلوبهم أشت : أي أشد تفرقا ، ومن كلام العرب : شتى تئوب الحلبة . قال الشاعر :


إلى الله أشكو فتية شقت العصا     هي اليوم شتى وهي أمس جميع



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث