الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
المثال الثاني والستون : الحبس وهو مفسدة في حق المحبوس ، لكنه جاز لمصالح ترجح على مفسدته وهي أنواع : منها حبس الجاني عند غيبة المستحق حفظا لمحل القصاص ، ومنها حبس الممتنع من دفع الحق إلى مستحقه إلجاء إليه وحملا عليه ، ومنها حبس التعزير ردعا عن المعاصي ، ومنها حبس كل ممتنع من تصرف واجب لا تدخله النيابة : كحبس من أسلم على أختين وامتنع من تعيين إحداهما ، والمقر بأحد عينين وامتنع من تعيينها دفعا لمفسدة المبطل بالحق ، ومنها حبس من امتنع من أداء حقوق الله التي لا تدخلها النيابة كالممتنع من صيام رمضان فإن قيل : إذا امتنع من أداء درهم واحد مع القدرة على أدائه ومع عجزكم عن دفعه إلى خصمه ، فإنكم تخلدون عليه الحبس إلى أن يؤديه . والتخليد هنا في الحبس عذاب كبير على جرم صغير ؟ قلنا الأمر كذلك وإنما عاقبنا بعذاب صغير على جرم صغير ، فإنه عاص في كل ساعة بامتناعه من أداء الحق ، فتقابل كل ساعة من ساعات امتناعه بساعة من ساعات حبسه ، وللحاكم زجره وتعزيره إذا لم ينجع الحبس فيه ، ويفعل ذلك مرات إلى أن يؤدي الحق إلى مستحقه .

فإن قيل ; وإذا شهد مستوران ظاهرهما العدالة فلم تحبسون المدعى عليه إلى أن يزكيا ، مع أن الأصل براءته مما ادعى عليه ؟ وكذلك لم يحولون بين الحق والمدعى عليه بشهادة المستورين ؟ قلنا لأن الظن المستفاد [ ص: 119 ] من شهادة المستورين أقوى من الظن المستفاد من أصل براءة المدعى عليه من الحق . فإن قيل : لم تحبسون مدعي الإعسار بالحق مع أن الأصل عدم الغنى ؟ قلنا له أحوال : أحدها أن نعرف له مالا بمقدار الحق أو أكثر منه ، فنحبسه بناء على أن الأصل بقاء ذلك ، وقد انتسخ فكرة القديم بالغنى الذي عهدنا .

فإن قيل : إذا طالت المدة وكان ضعيفا عن الكسب فالظاهر أنه ينفق مما عهدناه على نفسه وعياله ، فإذا مضت مدة تستوعب نفقتها الغنى الذي عهدناه فينبغي أن لا يحبس لمضارعة هذا الظاهر لاستمرار غناه ؟ قلنا جواب هذا السؤال مشكل جدا ولعل الله أن ييسر حله ، فإن ما ذكروه ظاهر فيمن قرب عهده بالغنى دون من مضت عليه مدة تستوعب نفقتها أضعاف غناه ، مع أن الأصل عدم اكتساب غير ما في يده ، وليس تقدير الإنفاق من كسبه بأولى من تقديره مما في يده .

الحالة الثانية : لا يعرف له غنى ولا فقر وفيه مذاهب : أحدها : لا يحبس لأن الأصل فقره فإن الله خلق عباده فقراء لا يملكون شيئا .

والثاني : نحبسه لأن الغالب في الناس أنهم يملكون ما فوق كفايتهم ، والفقراء الذين لا يملكون ذلك بالنسبة إلى هؤلاء قليل ، وهذا مشكل جدا إذا كان الحق كثيرا عزيزا كالألف والألفين ، إذ ليست الغلبة متحققة في الغنى المتسع فكيف نحبس الغريم على عشرة آلاف وليس الغالب في الناس من يملك عشرة آلاف ولا ضابط لمقدار الغالب من ذلك ، فكيف [ ص: 120 ] يخلد من هذا شأنه في الحبس على ما لا يعرف قدره ولا يمكنه الانفصال منه ؟ ويحتمل أن يقال إذا أدى قدرا يخرج به عن الغلبة وجب إطلاقه ، وهذا قريب المذهب .

الثالث : إن لزمه الدين باختياره فالقول قوله لأن الغالب في الناس أنهم لا يلتزمون ما لا يقدرون عليه وهذا بعيد ، فإن الفقراء يلتزمون الأجور والمهور والأثمان مع عجزهم عنها . الحالة الثالثة : من أحوال مدعي الإعسار أن يعهد له مال ناقص عن مقدار الحق الذي لزمه فيحبس عليه وفي حبسه على ما رواه الخلاف المذكور في الحال الثانية إن كان المدعي به نزرا يسيرا ، وإن كان كثيرا ففيه قولان :

أحدهما : يطلق الأصل .

والثاني : يفرق بين ما التزمه وبين ما لزمه بغير اختياره ولا يجيء

المذهب الثالث إذ لا غلبة .

الحال الرابعة : إن ثبت عسره فلا يجوز حبسه حتى يثبت يساره ، لأن الأصل بقاء عسرته ، وأنه إن اكتسب شيئا صرفه في نفقته ونفقة من يلزمه نفقته . فإن قيل : تخلدون مجهول الحال في الحبس إلى أن يموت ؟ قلنا المختار أنه لا يخلد ويجب على الحاكم أن يبعث عدلين يسألان عن أمره في اليسار والإعسار ، فإذا غلب على ظنهما فقره شهدا بذلك ووجب إطلاقه ; إذ لا يليق بالشريعة السهلة السمحة أن يخلد المسلم في الحبس بظن ضعيف ، وإنما يخلد في الحبس من ظهر عناده وإصراره على الباطل إلى أن يفيء إلى الحق .

وأما المحبوس على القصاص فإنه يخلد في الحبس إلى أن يموت ; حفظا لحق [ ص: 121 ] مستحق القصاص إلى أن يقدم الغائب أو يبلغ الصبي ، إذ لا مندوحة عن ذلك إلا بحبسه الذي هو أخف عليه من قتله أو قطع يده .

التالي السابق


الخدمات العلمية