الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة المائدة

قال تعالى : ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ) ( 116 ) .

قوله تعالى : ( اتخذوني ) : هذه تتعدى إلى مفعولين ؛ لأنهما بمعنى صيروني .

و ( من دون الله ) : في موضع صفة إلهين .

ويجوز أن تكون متعلقة باتخذوا . ( أن أقول ) : في موضع رفع فاعل يكون ، ولي الخبر .

و ( ما ليس ) : بمعنى الذي ، أو نكرة موصوفة ، وهو مفعول أقول ؛ لأن التقدير : أن أدعي ، أو أذكر ، واسم ليس مضمر فيها ، وخبرها " لي " و ( بحق ) : في موضع الحال من الضمير في الجار ، والعامل فيه الجار .

ويجوز أن يكون " بحق " مفعولا به تقديره : ما ليس يثبت لي بسبب حق ، فالباء تتعلق بالفعل المحذوف ، لا بنفس الجار ؛ لأن المعاني لا تعمل في المفعول به ، ويجوز أن يجعل " بحق " خبر ليس ، و " لي " تبيين كما في قولهم سقيا له ورعيا ، ويجوز أن يكون " بحق " خبر ليس ، و " لي " صفة لـ " حق " ، قدم عليه فصار حالا ، وهذا [ ص: 355 ] يخرج على قول من أجاز تقديم حال المجرور عليه . ( إن كنت قلته ) : كنت لفظها ماض ، والمراد المستقبل ، والتقدير : إن يصح دعواي لي ، وإنما دعا هذا ؛ لأن إن الشرطية لا معنى لها إلا في المستقبل ، فآل حاصل المعنى إلى ما ذكرناه .

قال تعالى : ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ) ( 117 ) .

قوله تعالى : ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) : " ما " في موضع نصب بقلت ؛ أي : ذكرت ، أو أديت الذي أمرتني به ، فيكون مفعولا به .

ويجوز أن تكون " ما " نكرة موصوفة ، وهو مفعول به أيضا .

( أن اعبدوا الله ) : يجوز أن تكون أن مصدرية ، والأمر صلة لها . وفي الموضع ثلاثة أوجه : الجر على البدل من الهاء ، والرفع على إضمار هو ، والنصب على إضمار أعني ، أو بدلا من موضع به . ولا يجوز أن تكون بمعنى أي المفسرة ؛ لأن القول قد صرح به ؛ و " أي " لا تكون مع التصريح بالقول . ( ربي ) : صفة لله أو بدل منه ، و ( عليهم ) : يتعلق بـ " شهيدا " .

( ما دمت ) : " ما " هنا مصدرية ، والزمان معها محذوف ؛ أي : مدة ما دمت .

و ( دمت ) : هنا يجوز أن تكون الناقصة ، و " فيهم " خبرها .

ويجوز أن تكون التامة ؛ أي : ما أقمت فيهم ، فيكون فيهم ظرفا للفعل .

و ( الرقيب ) : خبر كان . ( وأنت ) : فصل ، أو توكيد للفاعل .

ويقرأ بالرفع على أن يكون مبتدأ وخبرا في موضع نصب .

قال تعالى : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) ( 118 ) .

قوله تعالى : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) : الفاء جواب الشرط ، وهو محمول على المعنى ؛ أي : إن تعذبهم تعدل ، وإن تغفر لهم تتفضل .

قال تعالى : ( قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ) ( 119 ) .

قوله تعالى : ( هذا يوم ) : هذا مبتدأ ، و " يوم " خبره ، وهو معرب ؛ لأنه مضاف إلى [ ص: 356 ] معرب ، فبقي على حقه من الإعراب . ويقرأ " يوم " بالفتح ؛ وهو منصوب على الظرف ، وهذا فيه وجهان : أحدهما : هو مفعول قال ؛ أي : قال الله هذا القول في يوم .

والثاني : أن هذا مبتدأ ، ويوم ظرف للخبر المحذوف ؛ أي : هذا يقع ، أو يكون يوم ينفع .

وقال الكوفيون : " يوم " في موضع رفع خبر هذا ، ولكنه بني على الفتح لإضافته إلى الفعل ، وعندهم يجوز بناؤه ، وإن أضيف إلى معرب ، وذلك عندنا لا يجوز إلا إذا أضيف إلى مبني . و ( صدقهم ) : فاعل ينفع ، وقد قرئ شاذا : " صدقهم " بالنصب ، على أن يكون الفاعل ضمير اسم الله ، وصدقهم بالنصب على أربعة أوجه : أحدها : أن يكون مفعولا له ؛ أي : لصدقهم . والثاني : أن يكون حذف حرف الجر ؛ أي : بصدقهم .

والثالث : أن يكون مصدرا مؤكدا ؛ أي : الذين يصدقون صدقهم ، كما تقول تصدق الصدق . والرابع أن يكون مفعولا به والفاعل مضمر في الصادقين ؛ أي : يصدقون الصدق كقوله صدقته القتال ، والمعنى يحققون الصدق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث