الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان ما يتملك بالشفعة

جزء التالي صفحة
السابق

وإن كان حدث في يد البائع فإن كان الزوال بآفة سماوية وهو قائم أو هالك فكذلك أخذ الشفيع الأرض والشجر بجميع الثمن إن شاء ; لأنه لم يوجد فعل يصير به مقصودا فيقابله الثمن ، وإن كان بفعل البائع بأن استهلكه يسقط عن الشفيع حصته من الثمن لصيرورته مقصودا بالإتلاف ، وإن كان الحادث مما لم يثبت فيه حكم البيع رأسا لا أصلا ولا تبعا بأن بنى المشتري بناء أو غرس أو زرع ثم حضر الشفيع يقضى له بشفعة الأرض ويجبر المشتري على قلع البناء والغرس وتسليم الساحة إلى الشفيع إلا إذا كان في القلع نقصان الأرض فللشفيع الخيار ; إن شاء أخذ الأرض بالثمن ، والبناء والغرس بقيمته مقلوعا وإن شاء أجبر المشتري على القلع وهذا جواب ظاهر الرواية .

وروي عن أبي يوسف أنه لا يجبر المشتري على قلع البناء والغرس ولكنه يأخذ الأرض بثمنها والبناء والغرس بقيمته قائما غير مقلوع إن شاء وإن شاء ترك وبه أخذ الشافعي رضي الله عنه وأجمعوا على أن المشتري لو زرع في الأرض ثم حضر الشفيع أنه لا يجبر المشتري على قلعه ولكنه ينتظر إدراك الزرع ثم يقضى له بالشفعة فيأخذ الأرض بجميع الثمن .

( وجه ) رواية أبي يوسف رحمه الله أن في الجبر على النقض ضررا بالمشتري وهو إبطال تصرفه في ملكه وفيما قلنا مراعاة الجانبين .

( أما ) جانب المشتري فظاهر ; لأن فيه صيانة حقه عن الإبطال .

( وأما ) جانب الشفيع ; فلأنه يأخذ البناء بقيمته ، وأخذ الشيء بقيمته لا ضرر فيه على أحد .

( وجه ) ظاهر [ ص: 30 ] الرواية أن حق الشفيع كان متعلقا بالأرض قبل البناء ولم يبطل ذلك بالبناء بل بقي فإذا قضي له بالشفعة فقد صار ذلك الحق ملكا له فيؤمر بتسليم ملكه إليه ولا يمكنه التسليم إلا بالنقض فيؤمر بالنقض ولهذا أمر الغاصب والمشتري عند الاستحقاق بالنقض كذا هذا قوله : في النقض ضرر بالمشتري ; قلنا إن كان فيه ضرر به فهو الذي أضر بنفسه حيث بنى على محل تعلق به حق غيره ، ولو أخذ الشفيع الأرض بالشفعة وبنى عليها ثم استحقت وأمر الشفيع بنقض البناء فإن الشفيع يرجع على المشتري بالثمن ولا يرجع عليه بقيمة البناء - إن كان أخذ منه - ولا على البائع أيضا - إن كان أخذ منه - في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه يرجع عليه .

( وجه ) هذه الرواية أن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء من المشتري ولو كان اشتراه لرجع عليه كذا إذا أخذه بالشفعة له الرجوع بقيمة البناء في الشراء لوجود الغرور من البائع وضمان السلامة للمشتري ; لأن كل بائع مخير للمشتري أنه يبيع ملك نفسه وشارط سلامة ما يبنى فيه دلالة فإذا لم يسلم يدفع بحكم الضمان المشروط دلالة ; إذ ضمان الغرور ضمان الكفالة في الحقيقة ولا غرور من المشتري في حق الشفيع ; لأنه مجبور على التملك منه ، وحق الرجوع بضمان الغرور على المختار لا على المجبور ; كالجارية المأسورة إذا اشتراها رجل فأخذها المالك القديم بالثمن واستولدها ثم استحقت من يده وقضي عليه بالعقر وقيمة الولد فإنه يرجع على المشتري بالثمن الذي دفعه إليه ولا يرجع عليه بقيمة الولد ، ومثله إذا استولد جارية بالشراء ثم استحقت فإن المشتري يرجع على بائعه بالثمن وبقيمة الولد ; لصيرورته مغرورا من جهته ولا غرور من المشتري من الحربي لكونه مجبورا في التملك عليه بما أخذه من الحربي ، كذا هذا .

والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث