الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وحدثني عن مالك عن هشام بن عروة أن أباه عروة بن الزبير كان يعق عن بنيه الذكور والإناث بشاة شاة قال مالك الأمر عندنا في العقيقة أن من عق فإنما يعق عن ولده بشاة شاة الذكور والإناث وليست العقيقة بواجبة ولكنها يستحب العمل بها وهي من الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا فمن عق عن ولده فإنما هي بمنزلة النسك والضحايا لا يجوز فيها عوراء ولا عجفاء ولا مكسورة ولا مريضة ولا يباع من لحمها شيء ولا جلدها ويكسر عظامها ويأكل أهلها من لحمها ويتصدقون منها ولا يمس الصبي بشيء من دمها

التالي السابق


1088 1071 - ( مالك عن هشام بن عروة أن أباه عروة بن الزبير كان يعق ) بضم العين ( عن بنيه الذكور والإناث بشاة شاة ) عن كل واحد ( قال مالك : الأمر عندنا في العقيقة أن من عق فإنما يعق عن ولده بشاة شاة الذكور والإناث ) قياسا على الضحية فإن الذكر والأنثى فيه متساويان خلافا لمن قال يعق عن الغلام بشاتين .

قال ابن رشد : من عمل به فما أخطأ ولقد أصاب لما صححه الترمذي عن عائشة : أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يعق عن الغلام شاتان متكافيتان [ ص: 151 ] وعن الجارية بشاة " انتهى .

لكن حجة مالك ومن وافقه أنه لما اختلفت الرواية فيما عق به عن الحسنين ترجح تساوي الذكور والإناث بالعمل والقياس على الأضحية .

( وليست العقيقة بواجبة ) كالأضحية بحجة أن كلا إراقة دم بغير جناية ولأنه - صلى الله عليه وسلم - وكل ذلك إلى محبة الأب فلو وجبت ما قال ذلك .

( ولكنها يستحب العمل بها ) اتباعا للفعل النبوي وحملا لأمره على الاستحباب ; لأن القاعدة أن الأمر إذا لم يصلح حمله على الوجوب حمل على الندب ، وقال الليث وأبو الزناد وداود : واجبة .

( وهي من الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا ) فلا ينبغي تركها ، وفيه رد على من زعم نسخها ومن زعم أنها بدعة ، إذ لو نسخت ما عمل بها الصحابة فمن بعدهم بالمدينة ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويسمى ويحلق رأسه " رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم والبيهقي عن سمرة وصححه الترمذي والحاكم وأعله بعضهم بأنه من رواية الحسن عن سمرة ، وهو مدلس ، لكن في البخاري أن الحسن سمع حديث العقيقة من سمرة قال الحافظ : فكأنه عنى هذا ، قال الإمام أحمد مرتهن أي محتبس عن الشفاعة لوالديه إذا مات طفلا أي فشبهه في عدم انفكاكه منها بالرهن في يد مرتهنه ، قال الخطابي : وهو جيد وتعقب بأن شفاعة الولد لوالده ليست بأولى من العكس وبأنه يقال لمن يشفع لغيره مرتهن ، فالأولى أن المراد أن العقيقة تخليص له من الشيطان الذي طعنه حين خروجه من حبسه له في أسره ومنعه له من سعيه في مصالح آخرته .

( فمن عق عن ولده فإنما هي بمنزلة النسك ) الهدايا ( والضحايا ) فتجوز بالغنم والإبل والبقر خلافا لمن قصرها على الغنم لورود الشاة في الأحاديث السابقة ، لكن روى الطبراني عن أنس مرفوعا : " يعق عنه من الإبل والبقر والغنم " ( لا يجوز فيها عوراء ) بالمد تأنيث أعور ( ولا عجفاء ) بالمد الضعيفة ( ولا مكسورة ولا مريضة ولا يباع من لحمها شيء ولا جلدها ويكسر عظامها ) جوازا تكذيبا للجاهلية في تحرجهم من ذلك وتفصيلهم إياها من المفاصل إذ لا فائدة في ذلك الاتباع الباطل ، ولا يلتفت إلى من يقول فائدته التفاؤل بسلامة الصبي وبقائه إذ لا أصل له من كتاب ولا سنة ولا عمل .

( ويأكل أهلها من لحمها ويتصدقون منها ولا يمس الصبي بشيء من دمها ) أي يكره لخبر [ ص: 152 ] البخاري عن سلمان بن عامر الضبي قال : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى " فسره بعضهم بترك ما كانت الجاهلية تفعله من تلطيخ رأسه بدمها بإماطة الشعر فكذلك لأنا إذا أمرنا به للنظافة بإجماع فلأن لا نقربه بالدم النجس أولى .

وروى أبو داود عن بريدة الصحابي قال : " كنا في الجاهلية فإذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها ، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران " وإليه أشار في الرسالة بقوله : وإن حلق رأسه بخلوق بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية فلا بأس بذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث