الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر عدة حوادث

في هذه السنة وقعت الفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداذ ، ومقدم الحنابلة أبو يعلى بن الفراء ، وابن التميمي ، وتبعهم من العامة الجم الغفير ، وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، ومنعوا من الترجيع في الأذان ، والقنوت في الفجر ، ووصلوا إلى ديوان الخليفة ، ولم ينفصل حال ، وأتى الحنابلة إلى مسجد بباب الشعير ، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة ، فأخرج مصحفا وقال : أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها .

[ ص: 130 ] وفيها كان بمكة غلاء شديد ، وبلغ الخبز عشرة أرطال بدينار مغربي ، ثم تعذر وجوده ، فأشرف الناس والحجاج على الهلاك ، فأرسل الله تعالى عليهم من الجراد ما ملأ الأرض ، فتعوض الناس به ، ثم عاد الحاج فسهل الأمر على أهل مكة ، وكان سبب هذا الغلاء عدم زيادة النيل بمصر عن العادة ، فلم يحمل منها الطعام إلى مكة .

وفيها ظهر باليمن إنسان يعرف بأبي كامل علي بن محمد الصليحي ، واستولى على اليمن ، وكان معلما ، فجمع إلى نفسه جمعا ، وانتمى إلى صاحب مصر ، وتظاهر بطاعته ، فكثر جمعه وتبعه ، واستولى على البلاد ، وقوي على ابن سادل وابن الكريدي المقيمين بها على طاعة القائم بأمر الله ، وكان يتظاهر بمذهب الباطنية .

وفيها خطب محمود الخفاجي للمستنصر العلوي ، صاحب مصر ، بشفاثا والعين ، وصار في طاعته .

[ الوفيات ]

وفيها في شوال توفي قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا ، ومولده سنة ثمان وستين وثلاثمائة ، وبقي في القضاء سبعا وعشرين سنة ، وكان شافعيا ، ورعا ، نزها ، أمينا ، وولي بعده أبو عبد الله محمد بن علي بن الدامغاني الحنفي .

وفيها في ذي القعدة توفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد ابن أمير المؤمنين ، ومولده في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة .

[ ص: 131 ] وفيها قبض الملك الرحيم ( قبل وصول طغرلبك إلى بغداذ ) على الوزير أبي عبد الله عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الرحيم ، وطرح في بئر في دار المملكة ، وطم عليه ، وكان وزيرا متحكما في دولته .

وفيها في المحرم توفي القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي ، ومولده بالبصرة سنة خمس وستين وثلاثمائة ، وخلف ولدا صغيرا ، وهو أبو الحسن محمد بن علي ، ثم توفي في شوال سنة أربع وتسعين وأربعمائة ، وانقرض بيته بموته .

قال القاضي أبو عبد الله بن الدامغاني : دخلت على أبي القاسم قبل موته بقليل ، فأخرج إلي ولده هذا من جاريته وبكى ، فقلت : يعيش إن شاء الله وتربيه . فقال : هيهات ! والله ما يتربى إلا يتيما ، وأنشد :

أرى ولد الفتى كلا عليه لقد سعد الذي أمسى عقيما     فإما أن تربيه عدوا
وإما أن تخلفه يتيما



فتربى يتيما كما قال .

[ ص: 132 ] وفي جمادى الأولى توفي ( أبو محمد الحسن بن رجاء الدهان اللغوي .

وفي جمادى الآخرة فيها توفي ) أبو القاسم منصور بن عمر بن علي الكرخي ( من كرخ جدان ) ، الفقيه الشافعي .

( وفي رجب توفي أبو نصر أحمد بن عبد الله الثابتي ، الفقيه الشافعي ) ، وهما من شيوخ أصحاب أبي حامد الإسفراييني .

وفي شعبان توفي أبو البركات حسين بن علي بن عيسى الربعي النحوي ، وكان ينوب عن الوزراء ببغداذ .

التالي السابق


الخدمات العلمية