الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              رجعنا إلى المقصود ، وهو أفعاله عليه السلام ، فما عرف بقوله إنه تعاطاه بيانا للواجب كقوله عليه السلام : { صلوا كما رأيتموني أصلي } { وخذوا عني مناسككم } أو علم بقرينة الحال أنه إمضاء لحكم نازل كقطع يد السارق من الكوع ، فهذا دليل ، وبيان ، وما عرف أنه [ ص: 275 ] خاصيته فلا يكون دليلا في حق غيره ، وأما ما لم يقترن به بيان في نفي ، ولا إثبات فالصحيح عندنا أنه لا دلالة له بل هو متردد بين الإباحة ، والندب ، والوجوب ، وبين أن يكون مخصوصا به ، وبين أن يشاركه غيره فيه ، ولا يتعين واحد من هذه الأقسام إلا بدليل زائد بل يحتمل الحظر أيضا عند من يجوز عليهم الصغائر ، وقال قوم : إنه على الحظر ، وقال قوم على الإباحة ، وقال قوم على الندب ، وقال قوم على الوجوب إن كان في العبادات ، وإن كان في العادات فعلى الندب ، ويستحب التأسي به ، وهذه تحكمات ; لأن الفعل لا صيغة له ، وهذه الاحتمالات متعارضة ، ونحن نفرد كل واحد بالإبطال .

              أما إبطال الحمل على الحظر فهو أن هذا خيال من رأى الأفعال قبل ورود الشرع على الحظر قال : وهذا الفعل لم يرد فيه شرع ، ولا يتعين بنفسه لإباحة ، ولا لوجوب ، فيبقى على ما كان . فلقد صدق في إبقاء الحكم على ما كان ، وأخطأ في قوله بأن الأحكام قبل الشرع على الحظر ، وقد أبطلنا ذلك ، ويعارضه قول من قال : إنها على الإباحة ، وهو أقرب من الحظر . ثم يلزم منه تناقض ، وهو أن يأتي بفعلين متضادين في وقتين فيؤدي إلى أن يحرم الشيء ، وضده ، وهو تكليف المحال . أما إبطال الإباحة فهو أنه إن أراد به أنه أطلق لنا مثل ذلك فهو تحكم لا يدل عليه عقل ، ولا سمع ، وإن أراد به أن الأصل في الأفعال نفي الحرج ، فيبقى على ما كان قبل الشرع فهو حق ، وقد كان كذلك قبل فعله فلا دلالة إذا لفعله .

              أما إبطال الحمل على الندب فإنه تحكم إذا لم يحمل على الوجوب لاحتمال كونه ندبا فلا يحمل على الندب لاحتمال كونه واجبا بل لاحتمال كونه مباحا .

              تمسكوا بشبهتين :

              الأولى : أن فعله يحتمل الوجوب ، والندب ، والندب أقل درجاته فيحمل عليه . قلنا : إنما يصح ما ذكروه لو كان الندب داخلا في الوجوب ، ويكون الوجوب ندبا ، وزيادة ، وليس كذلك إذ يدخل جواز الترك في حد الندب دون حد الوجوب ، وأقرب ما قيل فيه الحمل على الندب لا سيما في العبادات ، أما في العادات فلا أقل من حمله على الإباحة لا بمجرد الفعل ، ولكن نعلم أن الصحابة كانوا يعتقدون في كل فعل له أنه جائز

              ويستدلون به على الجواز يدل هذا على نفي الصغائر عنه ، وكانوا يتبركون بالاقتداء به في العادات ، لكن هذا أيضا ليس بقاطع إذ يحتمل أن يكون استدلالهم بذلك مع قرائن حسمت بقية الاحتمالات ، وكلامنا في مجرد الأفعال دون قرينة ، ولا شك في أن ابن عمر لما رآه مستقبل بيت المقدس في قضاء حاجته استدل به على كونه مباحا إذا كان في بناء ; لأنه كان في البناء ، ولم يعتقد أنه ينبغي أن يقتدى به فيه ، ; لأنه خلا بنفسه فلم يكن يقصد إظهاره ليعلم بالقرينة قصده الدعاء إلى الاقتداء .

              فتبين من هذا أنهم اعتقدوا أن ما فعله مباح ، وهذا يدل على أنهم لم يجوزوا عليه الصغائر ، وأنهم لم يعتقدوا الاقتداء في كل فعل بل ما تقترن به قرينة تدل على إرادته البيان بالفعل .

              الثانية : التمسك بقوله : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } . فأخبر أن لنا التأسي ، ولم يقل عليكم التأسي فيحمل على الندب لا على الوجوب . قلنا : الآية حجة عليكم ; لأن التأسي به في إيقاع الفعل الذي أوقعه على ما أوقعه ، فما أوقعه واجبا أو مباحا إذا أوقعناه على وجه الندب لم نكن مقتدين به ، كما أنه إذا قصد الندب فأوقعناه واجبا خالفنا التأسي ، فلا سبيل إلى التأسي به قبل معرفة قصده [ ص: 276 ] ولا يعرف قصده إلا بقوله أو بقرينة . ثم نقول : إذا انقسمت أفعاله إلى الواجب ، والندب لم يكن من يحمل الكل على الوجوب متأسيا ، ومن يجعل الكل أيضا ندبا متأسيا ، بل كان النبي عليه السلام يفعل ما لا يدري فمن فعل ما لا يدري على أي وجه فعله لم يكن متأسيا .

              أما إبطال الحمل على الوجوب فإن ذلك لا يعرف بضرورة عقل ، ولا نظر ، ولا بدليل قاطع ، فهو تحكم ; لأن فعله متردد بين الوجوب ، والندب ، وعند من لم يوجب عصمته من الصغائر يحتمل الحظر أيضا فلم يتحكم بالحمل على الوجوب . شبه

              الأولى : قولهم : لا بد من وصف فعله بأنه حق وصواب ، ومصلحة ، ولولاه لما أقدم عليه ، ولا تعبد به . قلنا : جملة ذلك مسلم في حقه خاصة ليخرج به عن كونه محظورا ، وإنما الكلام في حقنا ، وليس يلزم الحكم بأن ما كان في حقه حقا وصوابا ، ومصلحة كان في حقنا كذلك بل لعله مصلحة بالإضافة إلى صفة النبوة أو صفة يختص بها ، ولذلك خالفنا في جملة من الجائزات ، والواجبات ، والمحظورات ، بل اختلف المقيم ، والمسافر ، والحائض ، والطاهر في الصلوات فلم يمتنع اختلاف النبي ، والأمة .

              الثانية : أنه نبي ، وتعظيم النبي واجب ، والتأسي به تعظيم . قلنا : تعظيم الملك في الانقياد له فيما يأمر ، وينهى لا في التربع إذا تربع ، ولا في الجلوس على السرير إذا جلس عليه ، فلو نذر الرسول أشياء لم يكن تعظيمه في أن ننذرها مثل ما نذرها ، ولو طلق أو باع أو اشترى لم يكن تعظيمه في التشبه به .

              الثالثة : أنه لو لم يتابع في أفعاله لجاز أن لا يتابع في أقواله ، وذلك تصغير لقدره ، وتنفير للقلوب عنه قلنا : هذا هذيان فإن المخالفة في القول عصيان له ، وهو مبعوث للتبليغ حتى يطاع في أقاويله ; لأن قوله متعد إلى غيره ، وفعله قاصر عليه ، وأما التنفير فقد بينا أنه لا التفات إليه ، ولو كان ترك التشبه به تصغيرا لكان تركنا للوصال ، وتركنا نكاح تسع بل تركنا دعوى النبوة تصغيرا ; فاستبان أن هذه خيالات ، وأن التحقيق أن الفعل متردد كما أن اللفظ المشترك كالقرء متردد فلا يجوز حمله على أحد الوجوه إلا بدليل زائد .

              الرابعة : تمسكهم بآي من الكتاب كقوله تعالى : { واتبعوه } ، وأنه يعم الأقوال ، والأفعال ، وكقوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ، وقوله { ، وما آتاكم الرسول فخذوه } ، وأمثاله ، وجميع ذلك يرجع إلى قبول أقواله ، وغايته أن يعم الأقوال ، والأفعال ، وتخصيص العموم ممكن ، ولذلك لم يجب على الحائض ، والمريض موافقته مع أنهم مأمورون بالاتباع ، والطاعة .

              الخامسة : وهي أظهرها : تمسكهم بفعل الصحابة ، وهو أنهم واصلوا الصيام لما واصل ، وخلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع ، وأمرهم عام الحديبية بالتحلل بالحلق فتوقفوا فشكا إلى أم سلمة فقالت اخرج إليهم ، واذبح ، واحلق ففعل ، فذبحوا ، وحلقوا مسارعين ، وأنه خلع خاتمه فخلعوا ، وبأن عمر كان يقبل الحجر ، ويقول : إني لأعلم أنك حجر لا تضر ، ولا تنفع ، ولولا أني رأيت النبي عليه السلام يقبلك ما قبلتك ، وبأنه قال في جواب من سأل أم سلمة عن قبلة الصائم فقال : { ألا أخبرتيه أني أقبل ، وأنا صائم } ، وكذلك الصحابة رضي الله عنهم بأجمعهم اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين ، فقالت عائشة رضي الله عنها : { فعلته أنا ، ورسول الله فاغتسلنا } ، فرجعوا إلى ذلك .

              الجواب من وجوه [ ص: 277 ] الأول : أن هذه أخبار آحاد ، وكما لا يثبت القياس ، وخبر الواحد إلا بدليل قاطع فكذلك هذا ; لأنه أصل . من الأصول .

              الثاني : أنهم لم يتبعوه في جميع أفعاله ، وعباداته فكيف صار اتباعهم للبعض دليلا ، ولم تصر مخالفتهم في البعض دليل جواز المخالفة .

              الثالث : وهو التحقيق : أن أكثر هذه الأخبار تتعلق بالصلاة ، والحج ، والصوم ، والوضوء ، وقد كان بين لهم أن شرعه ، وشرعهم فيه سواء فقال : { صلوا كما رأيتموني أصلي } ، و { خذوا عني مناسككم } ، وعلمهم الوضوء ، وقال : { هذا وضوئي ، ووضوء الأنبياء من قبلي } ، وأما الوصال فإنهم ظنوا لما أمرهم بالصوم ، واشتغل معهم به أنه قصد بفعله امتثال الواجب ، وبيانه فرد عليهم ظنهم ، وأنكر عليهم الموافقة ، وكذلك في قبلة الصائم ربما كان قد بين لهم مساواة الحكم في المفطرات ، وأن شرعه شرعهم ، وكذلك في الأحداث قد عرفهم مساواة الحكم فيها ففهموا لا بمجرد حكاية الفعل ، كيف ، وقد نقل أنه عليه السلام قال : { إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل } ؟ وأما خلع الخاتم فهو مباح فلما خلع أحبوا موافقته لا لاعتقادهم وجوب ذلك عليهم ، أو توهموا أنه لما ساواهم في سنة التختم فيساويهم في سنة الخلع . فإن قيل : الأصل أن ما ثبت في حقه عام إلا ما استثنى قلنا : لا بل الأصل أن ما ثبت في حقه فهو خاص إلا ما عممه .

              فإن قيل التعميم أكثر فلينزل عليه . قلنا ولم يجب التنزيل على الأكثر ، وإذا اشتبهت أخت بعشر أجنبيات فالأكثر حلال ، ولا يجوز الأخذ به ؟ كيف ، والمباحات أكثر من المندوبات ، فلتلحق بها ؟ والمندوبات أكثر من الواجبات فلتلحق بها بل ربما قال القائل : المحظورات أكثر من الواجبات فلتنزل عليها

              التالي السابق


              الخدمات العلمية