الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( حدثنا أحمد بن المقدام ) : بكسر الميم . ( أبو الأشعث ) : بالمثلثة . ( العجلي ) : بكسر مهملة وسكون جيم ، نسبة إلى بني عجل . ( البصري ) : بفتح الموحدة وتكسر ، صدوق . ( أخبرنا حماد ) : بتشديد الميم . ( بن زيد ) : احترز به عن حماد بن سلمة بصري ، ثقة ، أخرج حديثه في الصحاح ، قال ابن معين : ليس أحد أتقن منه ، وقال [ ص: 87 ] ابن يحيى : ما رأيت أحدا أحفظ منه ، وقال المهدي : ما رأيت أعلم منه . ( عن عاصم الأحول ) : هو ابن سليمان أبو عبد الرحمن البصري ، ثقة ، لم يتكلم فيه إلا ابن القطان وكأنه بسبب دخوله في الولاية ، أخرج حديثه الأئمة الستة في صحاحهم . ( عن عبد الله بن سرجس ) : بمهملتين بينهما جيم مكسورة كنرجس ، ذكره ميرك شاه ، وهو في الأصل مضبوط بعدم الانصراف وفي نسخة بالتنوين ويلائمه قول العصام كجعفر ، وبينا وجههما في شرح المشكاة ، صحابي سكن البصرة ، أخرج حديثه الأئمة الستة . ( قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : أي جئته . ( وهو في ناس ) : وفي نسخة أناس ; أي جماعة من الناس . ( من أصحابه ) : والجملة حال وما وقع في شرحه ، أي أتيت رسول الله في ناس ، أي مع ناس ، غير صحيح مع وجود قوله وهو كما لا يخفى . ( فدرت ) : بضم الدال ماض من الدور عطف على أتيت . ( هكذا ) : إشارة إلى كيفية دورانه . ( من خلفه ) : لبيانه ، أي انقلبت من مكاني الذي كنت فيه وذهبت حتى وقفت خلفه . ( فعرف ) : أي بنور النبوة أو بقرينة الدورة . ( الذي أريد ) : أي أنويه وأقصده من رؤية الخاتم . ( فألقى الرداء عن ظهره ، فرأيت ) : أي أبصرت . ( موضع الخاتم ) : بالفتح ويكسر ، أي الطابع الذي ختم به كما مر في بعض الروايات ، ويصح أن تكون الإضافة بيانية ، وعند الطبراني عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فعرف ما أريد ، فألقى رداءه عن منكبه ، فدرت حتى قمت خلفه فنظرت إلى الخاتم . ( على كتفيه ) : بصيغة التثنية في أكثر النسخ ، وفي نسخة بصيغة الإفراد واقتصر عليه ابن حجر ، والظاهر أنه ظرف لرأيت ، والمراد قريبا من كتفه الأيسر كما مر ، ولا ينافيه رواية بين كتفيه ، والقول بتعدد الخاتم بعيد جدا لم يقل به أحد ، وقال العصام : أي مشرفا على كتفيه ، والمقصود أن ارتفاعه يزيد على ارتفاع كتفيه ، وفي صحيح مسلم : عن عبد الله بن سرجس قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت معه خبزا ولحما ، أو قال ثريدا ، ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليها خيلان كأمثال الثآليل ، انتهى . وفي رواية : عند غضروف كتفه اليسرى ، وروي : في نغض كتفه الأيسر ، والنغض بضم النون وسكون الغين المعجمة وضمها وبالضاد المعجمة ، والناغض منه على وزن الفاعل ، أعلى الكتف ، وقيل : هو العظم الرقيق الذي على طرفه وهو الغضروف ، فينبغي أن تكون هذه الرواية مقيدة للروايات المطلقة من أنه بين كتفيه وأنه على ظهره وأنه على كتفيه أو على كتفه ، قال العسقلاني : السر في وضع الخاتم على جهة كتفه الأيسر أن القلب في تلك الجهة ، وقد ورد في خبر مقطوع أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان ، فأري في النوم جسدا كالبلور ويرى داخله من خارجه والشيطان في صورة ضفدع عند نغض كتفه الأيسر حذاء قلبه له خرطوم كالبعوض قد أدخل إلى قلبه يوسوس فإذا ذكر الله خنس ، أخرجه عبد البر بسند قوي إلى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز ، وذكره أيضا صاحب الفائق ، ولسعيد بن منصور من طريق عروة بن رويم سأل [ ص: 88 ] عيسى عليه السلام ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فأراه ، فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب ، فإذا ذكر العبد ربه خنس ، وإذا ترك أتاه وحدثه . وله أيضا عن ابن عباس قال : يولد الإنسان والشيطان جاثم على قلبه فإذا ذكر اسم الله خنس ، وإذا غفل وسوس ، ومعنى جاثم : واضع خرطومه كما في رواية ، قال السهيلي : والحكمة في وضع خاتم النبوة على وجع الاعتناء والاعتبار أنه لما ملأ قلبه صلى الله عليه وسلم حكمة ويقينا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا ، وأما وضعه عند نغض كتفه الأيسر فلأنه معصوم من وسوسة الشيطان ، وذلك الموضع مدخل الشيطان ومحل وسوسته . ( مثل الجمع ) : بضم جيم وسكون ميم وجوز الكسائي كسر الجيم ، وهو حال من الخاتم في النهاية ، يريد مثل جمع الكف ، وهو أن تجمع الأصابع وتضمها ، يقال ضربها بجمع كفه بضم الجيم ، انتهى . فهو فعل بمعنى مفعول كالذخر بمعنى المذخور ، ويحتمل أن يكون تشبيها به في المقدار وأن يكون تشبيها في الهيئة المجموعة وهو أنسب ليوافق قوله : " زر الحجلة " إلا أنه يفهم منه زيادة فائدة ، وهي أنه كان فيه خطوط كما يظهر على ظهر الكف المجموعة كل خط بين إصبعين ، وعند الطبراني عنه كأنه جمع كف ، وفي رواية له كأنه جمع يعني الكف الجمع ، وقبض بيده على كفه . وعند ابن سعد عنه : فنظرت إلى الخاتم على نغض الكتف بمثل الجمع . قال حماد : جمع الكف وجمع حماد كفه وضم أصابعه . ( حولها ) : أي حول الخاتم وأنث باعتبار أنه قطعة لحم ، ويدل عليه رواية : " كان الخاتم بضعة ناشزة " ، وأما قول الحنفي : أي حول المثل أو حول الجمع ، والتأنيث باعتبار الشعرات أو أجزاء تتصور في الجمع ففي غاية من البعد . ويقرب منه قول العصام : أي حول الخاتم الذي هو علامة النبوة . فاحفظه فإن توجيه تأنيث هذا الضمير من مزال الأقدام ، ثم نصبه على أنه ظرف مقدم على خبره . ( خيلان ) : والجملة حال أخرى أو صفة ثانية للخاتم ، وهي بكسر معجمة فسكون تحتية جمع الخال ، وهو الشامة في الجسد . ( كأنها ) : أي الخيلان . ( ثآليل ) : بمثلثة همزة ممدودة على زنة قناديل وهو جمع ثؤلول وهي الحبة التي تظهر في الجلد مثل الحمصة فما دونها ، يقال لها بالفارسية : زخ بضم زاي وسكون معجمة . ( فرجعت ) : أي من خلفه دائرا . ( حتى استقبلته ) : أي وقفت أو قعدت مستقبلا له . ( فقلت ) : شكرا لإلقائه الرداء حتى رأيت الخاتم . ( غفر الله لك يا رسول الله ) : خبر مطابق لقوله تعالى : ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) ، أو إنشاء أريد به زيادة المغفرة أو إثباتها له أو المغفرة لأمته المرحومة . ( فقال ولك ) : أي وغفر الله لك بالخصوص أيضا حيث استغفرت لي أو سعيت لرؤية خاتمي أو آمنت بي وانقدت لي ، وقيل : هذا من مقابلة الإحسان بالإحسان ، ولا شك أن دعاءه أفضل من دعائه حقيقة وإن كان دونه صورة فلا ينافيه قوله تعالى : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ) . ( فقال القوم ) : أي الذي يحدثهم عبد الله بن سرجس ، وقائل هذا الكلام هو عاصم الأحول [ ص: 89 ] أو المراد أصحابه صلى الله عليه وسلم ، وقائل هذا القول هو عبد الله ، وهذا هو الظاهر المتبادر ، وقوله : ( استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : قيل : خبر أو استفهام بحذف حرف الاستفهام ، ويمكن أن تكون الهمزة مفتوحة فيتعين الاستفهام . وقال ابن حجر : استفهام بدليل قوله : هو أو النبي صلى الله عليه وسلم . ( فقال : نعم ، ولكم ) : إذ لو كان خبرا لخلا قوله " نعم " عن الفائدة . ثم قال ابن حجر تبعا للحنفي : إن كان الضمير له صلى الله عليه وسلم فواضح وإلا ففيه التفات إذ مقتضى الظاهر . فقلت : ثم قال ابن حجر : قيل : لو أريد بالقوم تلامذة ابن سرجس لم يحتج لدعوى الالتفات ، انتهى . وهو غفلة عن سياق الحديث الصريح في أن المراد بهم الصحابة ، تم كلامه . وقوله الصريح غير صريح ومع أنه غفلة عن سائر طرق الحديث على ما ذكره ميرك أنه عند الطبراني قالوا : قد استغفر الله لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي أخرى له : فقال رجل من القوم : هل استغفر لك ؟ وعين القائل في رواية مسلم من طريق علي بن سمرة ، وحماد بن زيد ، وعبد الواحد بن زياد كلهم عن عاصم بلفظ " قال : فقلت له : استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ " . فتبين من هذه الروايات أن قائل " فقال القوم " هو عاصم الأحول الراوي ، عن عبد الله . والمراد بالقوم حضار مجلس نقل عبد الله الحديث المذكور إلى عاصم ، فإسناد القول إلى القوم أي إلى جميعهم في رواية الباب على سبيل المجاز ، يعني كقوله : ( فعقروا الناقة ) ، قال : ويحتمل أن القوم أيضا سألوه كما سأل عاصم فتارة نسب السؤال إليهم حقيقة وتارة إلى نفسه ، وربما أبهم نفسه كما هو دأب الرواة ، قال : وبالجملة المقصود من هذا الاستفهام والاستخبار تثبيت رؤية عبد الله بن سرجس النبي صلى الله عليه وسلم وصحبته معه . وفي رواية مسلم والطبراني قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت معه خبزا ولحما أو قال ثريدا . وللطبراني بلفظ قال : أترون هذا الشيخ - يعني نفسه - كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكلت معه . مع أن عاصما سمع هذا الكلام من ابن عبد الله واستثبت منه وسأله عن استغفاره إياه ، فقد نقل عنه أنه أنكر صحبة عبد الله بن سرجس كما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب عن عاصم أنه قال : عبد الله بن سرجس رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن له صحبة . قال أبو عمر : لا يختلفون في ذكره في الصحابة ، ويقولون له صحبة على مذهبهم في اللقاء والرؤية والسماع ، وأما عاصم الأحول فأحسب أنه أراد الصحبة التي يذهب إليها العلماء أولئك قليلا ، انتهى . قال : ويحتمل أن عاصما أنكر أولا صحبته قبل أن يسمع هذه الواقعة منه ولهذا لما سمعها منه استفهم عنه متعجبا عن هذه الواقعة ، فيحتمل أنه رجع عن ذلك وأثبت صحبته وروى عنه هذا الحديث ، والله أعلم ، وقال قوله : " فقال : نعم " ; قائله عاصم أيضا ، وفاعله عبد الله وكذا هو فاعل قوله . ( ثم تلا هذه الآية ) : أي قال عبد الله في جواب سؤالنا عنه استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ نعم ، استغفر لكم أيضا امتثالا لقوله تعالى : ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين ) وهذا محصل تلاوة الآية المذكورة لأنه [ ص: 90 ] صلى الله عليه وسلم لما كان مأمورا بالاستغفار للمؤمنين مع كمال شفقته ورحمته لأمته استغفر لهم البتة ، وفي الآية إشارة إلى أن في قوله : " ولكم " تغليب الذكور على الإناث ، وتغليب الحاضرين على الغائبين . وأقول لا منع من الجمع بأن يقال صدر هذا السؤال من حضار مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله ، وقالوا له استفهام تعجب أو إخبار تلذذ ، فقال هو أو النبي صلى الله عليه وسلم : نعم ، الأمر كذلك ، ثم تلا هو أو النبي صلى الله عليه وسلم استشهادا واعتضادا ، ثم لما كان عبد الله يحدث أصحاب مجلسه صدر منهم نحو هذا السؤال ووقع منه هذا الجواب بمقتضى الحال ، فلا تنافي بين الروايات ، وارتفع ما ذكره الشراح من المنازعات ثم الخطاب له صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : ( لذنبك ) مع قوله تعالى : ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ) ومع أنه معصوم لا ذنب له في الحقيقة ، لعله قبل نزول الآية الثانية أو تسلية للأمة وتعليما لهم أو استغفاره من الخطرات القلبية التي هي من لوازم البشرية ; تنبيها على أنها بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم كالذنب بالنسبة إلى غيره ، ومنه قول ابن الفارض رحمه الله تعالى :


ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوا حكمت بردتي

.

وقيل : المراد من الاستغفار طلب الثبات على العصمة التي وهبت له ، وإن كان مأمون العاقبة رعاية لقاعدة الخشية فإنها نهاية سلوك المخلصين وغاية عبودية المقربين ، وقيل : كان يستغفر من استعمال المباحات أو من رؤية تقصير في العبادات ; ولذا قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين . وقيل : استغفاره من ذنوب أمته فهو كالشفاعة لهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية