الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            باب قسمة خمس الغنيمة ومصرف الفيء 3499 - ( عن { جبير بن مطعم قال : مشيت أنا وعثمان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلنا : أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا قال : إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد } ، قال جبير : ولم يقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا . رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه وفي رواية : { لما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم ذي القربى من خيبر بين بني هاشم وبني المطلب جئت أنا وعثمان بن عفان ، فقلنا : يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله - عز وجل - منهم ، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا ، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة ، فقال : إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام ، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد ، } قال : ثم شبك بين أصابعه . رواه أحمد والنسائي وأبو داود والبرقاني ، وذكر أنه على شرط مسلم ) .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            قوله : ( مشيت أنا وعثمان ) إنما اختص جبير وعثمان بذلك ; لأن عثمان من بني عبد شمس وجبيرا من بني نوفل ، وعبد شمس ونوفل وهاشم المطلب هم بنو عبد مناف ، فهذا معنى قولهما : " ونحن وهم منك بمنزلة واحدة " : أي في الانتساب إلى عبد مناف قوله : ( شيء واحد ) بالشين المعجمة المفتوحة والهمزة كذا للأكثر . وقال عياض : هكذا في البخاري بغير خلاف .

                                                                                                                                            وفي رواية للكشميهني والمستملي بالمهملة المكسورة وتشديد التحتانية ، وكذا كان يرويه يحيى بن معين قال الخطابي : هو أجود في المعنى . وحكاه عياض رواية خارج الصحيح وقال : الصواب رواية الكافة لقوله فيه " وشبك بين أصابعه " وهذا دليل على الاختلاط والامتزاج كالشيء الواحد لا على التمثيل والتنظير . ووقع في رواية أبي زيد المروزي " شيء أحد " بغير واو وبهمز الألف ، فقيل هما بمعنى ، وقيل الأحد : الذي ينفرد بشيء لا يشاركه فيه غيره ، والواحد أول العدد ، وقيل : الأحد المنفرد بالمعنى ، والواحد المنفرد بالذات ، وقيل : الأحد : لنفي ما يذكر معه من العدد ، والواحد : اسم لمفتاح العدد ومن جنسه ، وقيل : لا يقال أحد إلا لله تعالى ، حكى ذلك جميعهعياض قوله : ( ولم يقسم . . . إلخ ) هذا أورده البخاري في كتاب الخمس معلقا ، [ ص: 79 ] ووصله في المغازي عن يحيى بن بكير عن الليث عن يونس بتمامه ، وزاد أبو داود بهذا الإسناد ، وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير أنه لم يكره يعطي قربى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عمر يعطيهم منه وعثمان بعده ، وهذه الزيادة مدرجة من كلام الزهري

                                                                                                                                            والسبب الذي لأجله أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - بني المطلب مع بني هاشم دون غيرهم ما تقدم لهم من المعاضدة لبني هاشم والمناصرة . فمن ذلك أنه لما كتبت قريش الصحيفة بينهم وبين بني هاشم وحصروهم في الشعب دخل بنو المطلب مع بني هاشم ، ولم يدخل بنو نوفل وبنو عبد شمس كما ثبت ذلك في كتب الحديث والسير . وفي هذا الحديث دليل للشافعي ومن وافقه أن سهم ذوي القربى لبني هاشم والمطلب خاصة دون بقية قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - من قريش وعن عمر بن عبد العزيز هم بنو هاشم خاصة ، وبه قال زيد بن أرقم وطائفة من الكوفيين ، وإليه ذهب جميع أهل البيت ، وهذا الحديث حجة لأهل القول الأول . وقد قيل : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أعطى بني المطلب لعلة الحاجة . ورد بأنه لو كان الأمر كذلك لم يخص النبي - صلى الله عليه وسلم - قوما دون قوم . وأيضا الحديث مصرح بأنه إنما أعطاهم لكونهم هم وذرية هاشم شيء واحد وبمنزلة واحدة لكونهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام .

                                                                                                                                            والحاصل أن الآية دلت على استحقاق قربى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي متحققة في بني عبد شمس وبني نوفل واختلفت الشافعية في سبب إخراجهم ، فقيل العلة القرابة مع النصرة ، فلذلك دخل بنو هاشم وبنو المطلب ، ولم يدخل بنو عبد شمس وبنو نوفل لفقدان جزء العلة أو شرطها .

                                                                                                                                            وقيل : سبب الاستحقاق القرابة ، ووجد في بني عبد شمس ونوفل مانع لكونهم انحازوا عن بني هاشم وحاربوهم . وقيل : إن القربى عام خصصته السنة .

                                                                                                                                            3500 - ( وعن علي رضي الله عنه قال : { اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله إن رأيت أن توليني حقنا من هذا الخمس في كتاب الله تعالى فأقسمه في حياتك كي لا ينازعني أحد بعدك فافعل ، قال : ففعل ذلك فقسمته حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - } ثم ولانيه أبو بكر حتى كانت آخر سنة من سني عمر ، فإنه أتاه مال كثير رواه أحمد وأبو داود ) .

                                                                                                                                            3501 - ( وعن علي رضي الله عنه قال : ولاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس الخمس [ ص: 80 ] فوضعته مواضعه حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحياة أبي بكر وحياة عمر رواه أبو داود ، وهو دليل على أن مصارف الخمس خمسة ) .

                                                                                                                                            3502 - ( وعن يزيد بن هرمز : أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن الخمس لمن هو ؟ فكتب إليه ابن عباس : كتبت تسألني عن الخمس لمن هو ؟ فإنا نقول : هو لنا ، فأبى علينا قومنا ذلك رواه أحمد ومسلم وفي رواية : أن نجدة الحروري حين خرج في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى لمن يراه ، فقال : هو لنا لقربى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم ، قسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم ، وقد كان عمر عرض علينا شيئا منه رأيناه دون حقنا فرددناه إليه وأبينا أن نقبله ، وكان الذي عرض عليهم أن يعين ناكحهم ، وأن يقضي عن غارمهم ، وأن يعطي فقيرهم وأبى أن يزيدهم على ذلك رواه أحمد والنسائي ) .

                                                                                                                                            3503 - ( وعن عمر بن الخطاب قال : { كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - فكان ينفق على أهله نفقة سنته } وفي لفظ : يحبس لأهله قوت سنتهم ، ويجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله . متفق عليه ) . حديث علي الأول في إسناده حسين بن ميمون الخندقي قال أبو حاتم الرازي : ليس بقوي الحديث يكتب حديثه . وقال علي بن المديني : ليس بمعروف ، وذكر له البخاري في تاريخه هذا الحديث قال : وهو حديث لا يتابع عليه . وزاد أبو داود بعد قوله : " فإنه أتاه مال كثير " ما لفظه " فعزل حقنا ثم أرسل إلي ، فقلت : بنا عنه العام غنى وبالمسلمين إليه حاجة فاردده عليهم ، ثم لم يدعني إليه أحد بعد عمر ، فلقيت العباس بعدما خرجت من عند عمر ، فقال : يا علي حرمتنا الغداة شيئا لا يرد علينا أبدا ، وكان رجلا داهيا " .

                                                                                                                                            وحديث علي الثاني في إسناده أبو جعفر الرازي عيسى بن ماهان ، وقيل ابن عبد الله بن ماهان وثقه علي بن المديني وابن معين ونقل عنهما خلاف ذلك وتكلم فيه غير واحد . قال في التقريب : صدوق سيئ الحفظ خصوصا عن مغيرة من كبار السابعة ، مات في إحدى وستين . وتمام الحديث عند أبي داود " فأتي بمال ، يعني عمر فدعاني ، فقلت : [ ص: 81 ] خذه ، قال : خذه فأنتم أحق به ، قلت : قد استغنينا عنه فجعله في بيت المال " قوله : ( وعن يزيد بن هرمز ) بضم الهاء وسكون الراء وضم الميم وبعدها زاي قوله : ( أن نجدة ) بفتح النون وسكون الجيم بعدها دال مهملة ، وقد تقدم ذكره .

                                                                                                                                            قوله : ( وكانت أموال بني النضير . . . إلخ ) قال في البخاري قال الزهري : كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد ، هكذا ذكره معلقا ، ووصله عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري أتم من هذا ، وهو في حديث عن عروة " ثم كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر ، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة ، فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلوا على الجلاء ، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة ، يعني السلاح فأنزل الله فيهم { سبح لله } إلى قوله : { لأول الحشر } وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء ، فأجلاهم إلى الشام وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا ، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي .

                                                                                                                                            وحكى ابن التين عن الداودي أنه رجح ما قال ابن إسحاق من أن غزوة بني النضير كانت بعد بئر معونة مستدلا بقوله تعالى : { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم } قال : وذلك في قصة الأحزاب . قال في الفتح : وهو استدلال واه ، فإن الآية نزلت في شأن بني قريظة فإنهم هم الذين ظاهروهم : أي من الأحزاب ، وأما بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر ، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم فإنه كان من رءوسهم حيي بن أخطب ، وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان فكيف يصير السابق لاحقا انتهى .

                                                                                                                                            والأحاديث المذكورة في الباب فيها دليل على أن من مصارف الخمس قربى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تقدم الخلاف في ذلك . وروى أبو داود في حديث " أن أبا بكر كان يقسم الخمس نحو قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عمر يعطيهم منه وعثمان بعده . وقد استدل من قال : إن الإمام يقسم الخمس حيث شاء بما أخرجه أبو داود وغيره عن ضباعة بنت الزبير قالت : { أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - سبيا ، فذهبت أنا وأختي فاطمة نسأله ، فقال : سبقتكما يتامى بدر } وفي الصحيح { أن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحن ، فبلغها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بسبي ، فأتته تسأله خادما فذكر الحديث وفيه ألا أدلكما على خير مما سألتما فذكر الذكر عند النوم } قال إسماعيل القاضي : هذا الحديث يدل على أن للإمام أن يقسم الخمس حيث يرى لأن الأربعة الأخماس استحقاق للغانمين ، والذي يختص بالإمام هو الخمس .

                                                                                                                                            وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته وأعز الناس عليه من قرابته وصرفه إلى غيرهم [ ص: 82 ] وقال بنحو ذلك الطبري والطحاوي ، قال الحافظ في الاستدلال : بذلك نظر ; لأنه يحتمل أن يكون ذلك من الفيء قوله : { ما أفاء الله على رسوله } قد تقدم الكلام في مصرف الفيء .




                                                                                                                                            الخدمات العلمية