الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

موضع الرجاء المحمود

موضع الرجاء المحمود :

فإن قلت : فأين موضع الرجاء المحمود ؟ فاعلم أنه محمود في موضعين :

أحدهما : في حق العاصي المنهمك إذا خطرت له التوبة فقال له الشيطان : " وأنى تقبل توبتك " ؟ فيقنطه من رحمة الله تعالى ، فيجب عند هذا أن يقمع القنوط بالرجاء ، ويتذكر أن الله يغفر الذنوب جميعا ، وأن الله كريم يقبل التوبة عن عباده ، وأن التوبة طاعة تكفر الذنوب ، قال تعالى : ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) [ طه : 82 ] فإذا توقع المغفرة مع التوبة فهو راج ، وإن توقع المغفرة مع الإصرار فهو مغرور .

الثاني : أن تفتر نفسه عن فضائل الأعمال ويقتصر على الفرائض فيرجي نفسه نعيم الله تعالى وما وعد به الصالحين حتى ينبعث من الرجاء نشاط العبادة فيقبل على الفضائل ويتذكر [ ص: 260 ] قوله تعالى : ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ) [ المؤمنون 1 ، 2 ] الآيات .

فالرجاء الأول يقمع القنوط المانع من التوبة ، والرجاء الثاني يقمع الفتور المانع من النشاط والتشمر ، فكل توقع حث على توبة أو على تشمر في العبادة فهو رجاء ، وكل رجاء أوجب فتورا في العبادة وركونا إلى البطالة فهو غرة . كما إذا خطر له أن يترك الذنب ويشتغل بالعمل ففتره الشيطان عن التوبة والعبادة وقال له : " لك رب كريم " فهذا غرة ، وعند هذا يجب أن يستعمل الخوف فيخوف نفسه بغضب الله وعظيم عقابه ، ويقول : إنه ، مع أنه غافر الذنب وقابل التوب ، شديد العقاب ، وإنه مع أنه كريم خلد الكفار في النار أبد الآباد ، وقد خوفني عقابه فكيف لا أخافه وكيف أغتر به .

فالخوف والرجاء قائدان وسائقان يبعثان الناس على العمل ، فما لا يبعث على العمل فهو تمن وغرور ، ورجاء كافة الخلق هو سبب فتورهم وسبب إقبالهم على الدنيا ، وسبب إعراضهم عن الله تعالى ، وإهمالهم السعي للآخرة ، فذلك غرور ، وقد كان السلف يبالغون في التقوى والحذر من الشبهات والشهوات ، ويبكون على أنفسهم في الخلوات ، وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين غير خائفين مع إكبابهم على المعاصي ، وانهماكهم في الدنيا ، وإعراضهم عن الله تعالى زاعمين أنهم واثقون بكرم الله وعفوه كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من فضله وكرمه ما لم يعرفه الأنبياء والصحابة والسلف الصالحون ; فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينا فعلى ماذا كان بكاء أولئك وخوفهم وحزنهم ؟! وقد قال تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) [ الرحمن : 46 ] ( ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) [ إبراهيم : 14 ] . والقرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف لا يتفكر فيه متفكر إلا ويطول حزنه ويعظم خوفه إن كان مؤمنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث