الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحلاج

قال ابن الجوزي فيما أنبئوني عنه : إن شيخه أبا بكر الأنصاري أنبأه قال : شهدت أنا وجماعة على أبي الوفاء بن عقيل قال : كنت قد اعتقدت في الحلاج ونصرته في جزء ، وأنا تائب إلى الله منه ، وقد قتل بإجماع فقهاء عصره ، فأصابوا وأخطأ هو وحده .

السلمي : سمعت منصور بن عبد الله : سمعت الشبلي يقول : كنت أنا والحلاج شيئا واحدا ، إلا أنه أظهر وكتمت . وسمعت منصورا يقول : وقف الشبلي عليه وهو مصلوب ، فنظر إليه وقال : ألم ننهك عن العالمين ؟ !

أبو القاسم التنوخي : أخبرنا أبي : حدثني حسين بن عباس عمن حضر مجلس حامد ، وجاءوه بدفاتر الحلاج ، فيها : إن الإنسان إذا أراد الحج فإنه يستغني عنه بأن يعمد إلى بيت في داره ، فيعمل فيه محرابا ، ويغتسل ، ويحرم ، ويقول كذا وكذا ، ويصلي كذا وكذا ، ويطوف بذلك البيت ، فإذا فرغ فقد سقط عنه الحج إلى الكعبة . فأقر به الحلاج وقال : هذا شيء رويته كما سمعته .

فتعلق بذلك عليه الوزير ، واستفتى القاضيين : أبا جعفر أحمد بن البهلول ، وأبا عمر محمد بن يوسف ، فقال أبو عمر : هذه زندقة يجب بها القتل . وقال أبو جعفر : لا يجب بهذا قتل إلا أن يقر أنه يعتقده ; لأن الناس قد [ ص: 332 ] يروون الكفر ولا يعتقدونه ، وإن أخبر أنه يعتقده استتيب منه ، فإن تاب فلا شيء عليه ، وإلا قتل .

فعمل الوزير على فتوى أبي عمر على ما شاع وذاع من أمره ، وظهر من إلحاده وكفره ، فاستؤذن المقتدر في قتله ، وكان قد استغوى نصرا القشوري من طريق الصلاح والدين ، لا بما كان يدعو إليه ، فخوف نصر السيدة أم المقتدر من قتله ، وقال : لا آمن أن يلحق ابنك عقوبة هذا الصالح . فمنعت المقتدر من قتله ، فلم يقبل ، وأمر حامدا بقتله ، فحم المقتدر يومه ذلك ، فازداد نصر وأم المقتدر افتتانا ، وتشكك المقتدر ، فأنفذ إلى حامد يمنعه من قتله ، فأخر ذلك أياما إلى أن عوفي المقتدر ، فألح عليه حامد وقال : يا أمير المؤمنين ، هذا إن بقي قلب الشريعة ، وارتد خلق على يده ، وأدى ذلك إلى زوال سلطانك ، فدعني أقتله ، وإن أصابك شيء فاقتلني .

فأذن له في قتله ، فقتله من يومه ، فلما قتل قال أصحابه : ما قتل ; وإنما قتل برذون كان لفلان الكاتب ، نفق يومئذ ، وهو يعود إلينا بعد مدة ، فصارت هذه الجهالة مقالة طائفة . قال : وكان أكثر مخاريق الحلاج أنه يظهرها كالمعجزات ، يستغوي بها ضعفة الناس .

قال أبو علي التنوخي : أخبرني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي ، قال : أخبرني جماعة أن أهل مقالة الحلاج يعتقدون أن اللاهوت الذي كان فيه حال في ابن له بتستر ، وأن رجلا فيها هاشميا يقال له : أبو عمارة محمد بن عبد الله قد حلت فيه روح محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو يخاطب فيهم بسيدنا .

قال التنوخي الأزرق : فأخبرني بعض من استدعاه من الحلاجية إلى أبي عمارة هذا إلى مجلس ، فتكلم فيه على مذهب الحلاج ويدعو إليه . قال : فدخلت ، وظنوا أني مسترشد ، فتكلم بحضرتي والرجل أحول ، فكان [ ص: 333 ] يقلب عينيه إلي فيجيش خاطره بالهوس ، فلما خرجنا قال لي الرجل : آمنت ؟ فقلت : أشد ما كنت تكذيبا لقولكم الآن ، هذا عندكم بمنزلة النبي -صلى الله عليه وسلم ! ؟ لم لا يجعل نفسه غير أحول ؟ فقال : يا أبله ! وكأنه أحول ; إنما يقلب عينيه في الملكوت .

قال أبو علي التنوخي : أخبرني أبو العباس المتطبب أحد مسلمي الطب الذين شاهدتهم : إن حي نور بن الحلاج بتستر ، وإنه يلتقط دراهم من الهواء ، ويجمعها ويسميها دراهم القدرة ، فأحضروا منها إلى مجمع كان لهم ، فوضعوها ، واتخذوا أولئك يشهدون له أنه التقطها من الجو ، يغرون بها قوما غرباء ، يستدعونهم بذلك ، ويرون أن قدر حي نور أجل من أن يمتحن كل وقت ، فلما وضعت الدراهم في منديل قلبتها فإذا فيها درهم زائف ، فقلت : أهذه دراهم القدرة كلها ؟ قالوا : نعم . فأريتهم الدرهم الزيف ، فتفرقت الجماعة وقمنا .

وكان حي نور قد استغوى قائدا ديلميا على تستر ، ثم زاد عليه في المخرقة الباردة ، فانهتك له ، فقتله . فمن بارد مخاريقه : أنه أحضر جرابا ، وقال له : إذا حزبك أمر أخرجت لك من هذا الجراب ألف تركي بسلاحهم ونفقتهم ، فسقط من عينه ، واطرحه ، فجاء إليه بعد مدة ، وقال : أنا أرد يد الملك أحمد بن بويه المقطوعة صحيحة ، فأدخلني إليه ، فصاح عليه ، وقال : أريد أن أقطع يدك; فإن رددتها حملتك إليه ، فاضطرب من ذلك ، فرماه بشيء كانت فيه منيته ، فبعثه سرا فغرقه .

قال علي بن محمود الزوزني : سمعت محمد بن محمد بن ثوابة يقول : حكى لي زيد القصري قال : كنت بالقدس ، إذ دخل الحلاج ، وكان يومئذ يشعل فيه قنديل قمامة بدهن البلسان ، فقام الفقراء إليه يطلبون منه [ ص: 334 ] شيئا ، فدخل بهم إلى القمامة ، فجلس بين الشمامسة وكان عليه السواد ، فظنوه منهم ، فقال لهم : متى يشعل القنديل ؟ قالوا : إلى أربع ساعات . فقال : كثير . فأومأ بأصبعه ، فقال : الله ، فخرجت نار من يده ، فأشعلت القنديل ، واشتعلت ألف قنديل حواليه ، ثم ردت النار إلى أصبعه ، فقالوا : من أنت ؟ قال : أنا حنيفي ، أقل الحنيفيين ، تحبون أن أقيم أو أخرج ؟ فقالوا : ما شئت . فقال : أعطوا هؤلاء شيئا . فأخرجوا بدرة فيها عشرة آلاف درهم للفقراء .

فهذه الحكاية وأمثالها ما صح منها فحكمه أنه مخدوم من الجن .

قال التنوخي وحدثني أحمد بن يوسف الأزرق قال : بلغني أن الحلاج كان لا يأكل شيئا شهرا ، فهالني هذا ، وكان بين أبي الفرج وبين روحان الصوفي مودة وكان محدثا صالحا ، وكان القصري -غلام الحلاج - زوج أخته ، فسألته عن ذلك فقال : أما ما كان الحلاج يفعله فلا أعلم كيف كان يتم له ، ولكن صهري القصري قد أخذ نفسه ، ودرجها ، حتى صار يصبر عن الأكل خمسة عشر يوما ، أقل أو أكثر .

وكان يتم له ذلك بحيلة تخفى علي ، فلما حبس في جملة الحلاجية ، كشفها لي ، وقال لي : إن الرصد إذا وقع بالإنسان ، وطال فلم تنكشف معه حيلة ، ضعف عنه الرصد ، ثم لا يزال يضعف كلما لم تنكشف حيلته ، حتى يبطل أصلا ، [ ص: 335 ] فيتمكن حينئذ من فعل ما يريد ، وقد رصدني هؤلاء منذ خمسة عشر يوما ، فما رأوني آكل شيئا بتة ، وهذا نهاية صبري ، فخذ رطلا من الزبيب ورطلا من اللوز ، فدقهما ، واجعلهما مثل الكسب وابسطه كالورقة ، واجعلها بين ورقتين كدفتر ، وخذ الدفتر في يدك مكشوفا مطويا ليخفى ، وأحضره لي خفية لآكل منه ، وأشرب الماء في المضمضة ، فيكفيني ذلك خمسة عشر يوما أخرى . فكنت أعمل ذلك له طول حبسه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث