الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحلاج

قال إسماعيل الخطبي في " تاريخه " : وظهر رجل يعرف بالحلاج ، وكان في حبس السلطان بسعاية وقعت به في وزارة علي بن عيسى ، وذكر عنه ضروب من الزندقة ، ووضع الحيل على تضليل الناس من جهات تشبه الشعوذة والسحر وادعاء النبوة ، فكشفه الوزير ، وأنهى خبره إلى المقتدر ، فلم يقر بما رمي به ، وعاقبه ، وصلبه حيا أياما ، ونودي عليه ، ثم حبس سنين ، ينقل من حبس إلى حبس ، حتى حبس بأخرة في دار السلطان ، فاستغوى جماعة من الغلمان ، وموه عليهم ، واستمالهم بحيلة ، حتى صاروا يحمونه ويدفعون عنه .

ثم راسل جماعة من الكبار ، فاستجابوا له ، وترامى به الأمر حتى ذكر عنه أنه ادعى الربوبية ، فسعي بجماعة من أصحابه ؛ فقبض عليهم ، ووجد عند بعضهم كتب له تدل على ما قيل عنه ، وانتشر خبره ، وتكلم الناس في قتله ، فسلمه الخليفة إلى الوزير حامد ، وأمر أن يكشفه بحضرة القضاة ، ويجمع بينه وبين أصحابه ، فجرت في ذلك خطوب ، ثم تيقن السلطان أمره ، فأمر بقتله وإحراقه لسبع بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة ، فضرب بالسياط نحوا من ألف ، وقطعت يداه ورجلاه ، وضربت [ ص: 336 ] عنقه ، وأحرق بدنه ، ونصب رأسه للناس ، وعلقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه .

قال أبو علي التنوخي أخبرني أبو الحسين بن عياش القاضي عمن أخبره : أنه كان بحضرة حامد بن العباس لما قبض على الحلاج ، وقد جيء بكتب وجدت في داره من دعاته في الأطراف يقولون فيها : وقد بذرنا لك في كل أرض ما يزكو فيها ، وأجاب قوم إلى أنك الباب -يعني الإمام- ، وآخرون يعنون أنك صاحب الزمان - يعنون الإمام الذي تنتظره الإمامية - ، وقوم إلى أنك صاحب الناموس الأكبر - يعنون النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وقوم يعنون أنك هو هو- يعني الله عز وجل - .

قال : فسئل الحلاج عن تفسير هذه الكتب ، فأخذ يدفعه ويقول : هذه الكتب لا أعرفها ، هذه مدسوسة علي ، ولا أعلم ما فيها ، ولا معنى هذا الكلام . وجاءوا بدفاتر للحلاج فيها أن الإنسان إذا أراد الحج فإنه يكفيه أن يعمد إلى بيت . . وذكر القصة .

قال أبو علي بن البناء الحنبلي : كان عندنا بسوق السلاح رجل يقول : القرآن حجاب ، والرسول حجاب ، وليس إلا عبد ورب ، فافتتن به جماعة وتركوا العبادات ، ثم اختفى مخافة القتل .

وقال الخطيب " في تاريخه " ثم انتهى إلى حامد أن الحلاج قد موه على الحشم والحجاب بالدار بأنه يحيي الموتى ، وأن الجن يخدمونه ، وأظهر أنه قد أحيا عدة من الطير .

وقيل : إن القنائي الكاتب يعبد الحلاج ويدعو إليه ، فكبس بيته ، وأحضروا من داره دفاتر ورقاع بخط الحلاج ، فنهض حامد ، فدفعه المقتدر إلى حامد ، فاحتفظ به ، وكان يخرجه كل يوم [ ص: 337 ] إلى مجلسه ليظفر له بسقطة ، فكان لا يزيد على إظهار الشهادتين والتوحيد والشرائع ، وقبض حامد على جماعة يعتقدون إلهية الحلاج ، فاعترفوا أنهم دعاة الحلاج ، وذكروا لحامد أنه قد صح عندهم أنه إله ، وأنه يحيي الموتى ، وكاشفوا بذلك الحلاج ، فجحد ، وكذبهم ، وقال : أعوذ بالله أن أدعي النبوة والربوبية ، إنما أنا رجل أعبد الله وأكثر الصلاة والصوم وفعل الخير ، ولا أعرف غير ذلك .

قال إسماعيل بن محمد بن زنجي : أخبرنا أبي قال : كان أول ما انكشف من أمر الحلاج لحامد أن شيخا يعرف بالدباس كان ممن استجاب له ، ثم تبين مخرقته ، ففارقه ، واجتمع معه على هذه الحال أبو علي الأوارجي الكاتب ، وكان قد عمل كتابا ذكر فيه مخاريق الحلاج والحيل فيها ، والحلاج حينئذ مقيم عند نصر القشوري في بعض حجره ، موسع عليه ، مأذون لمن يدخل إليه ، وكان قد استغوى القشوري ، فكان يعظمه ، ويحدث أن علة عرضت للمقتدر في جوفه ، فأدخل إليه الحلاج ، فوضع يده عليها فعوفي ، فقام بذلك للحلاج سوق في الدار وعند أم المقتدر ، ولما انتشر كلام الدباس والأوارجي في الحلاج أحضر إلى الوزير ابن عيسى ، فأغلظ له ، فحكي في ذلك الوقت أنه تقدم إلى الوزير وقال له سرا : قف حيث انتهيت ولا تزد ، وإلا قلبت الأرض عليك . فتهيبه الوزير ، فنقل حينئذ إلى حامد بن العباس .

وكانت بنت السمري -صاحب الحلاج - قد أدخلت إليه ، وأقامت عنده في دار الخلافة ، وبعث بها إلى حامد ليسألها عما رأت ، فدخلت إلى حامد ، وكانت عذبة العبارة ، فسألها ، فحكت أنها حملها أبوها إلى الحلاج ، وأنها لما دخلت عليه وهب لها أشياء مثمنة ، منها ريطة خضراء [ ص: 338 ] وقال لها : زوجتك ابني سليمان ، وهو أعز ولدي علي ، وهو مقيم بنيسابور ، وليس يخلو أن يقع بين المرأة وزوجها خلاف ، أو تنكر منه حالا ، وقد أوصيته بك ، فمتى جرى عليك شيء ، فصومي يومك ، واصعدي إلى السطح ، وقومي على الرماد ، واجعلي فطرك عليه مع ملح ، واستقبلي ناحيتي ، واذكري ما أنكرته ; فإني أسمع وأرى .

قالت : وكنت ليلة نائمة ، فما أحسست به إلا وقد غشيني ، فانتبهت مذعورة منكرة لذلك ، فقال : إنما جئت لأوقظك للصلاة . ولما أصبحنا ومعي بنته نزل ، فقالت بنته : اسجدي له . فقلت : أويسجد لغير الله ؟ ! فسمع كلامي ، فقال : نعم ، إله في السماء وإله في الأرض .

قالت : ودعاني إليه ، وأدخل يده في كمه ، وأخرجها مملوءة مسكا ، فدفعه إلي ، وقال : هذا تراب ، اجعليه في طيبك .

وقال مرة : ارفعي الحصير ، وخذي ما تريدين . فرفعتها ، فوجدت الدنانير تحتها مفروشة ملء البيت ، فبهرني ما رأيت .

ولما حصل الحلاج في يد حامد ، جد في تتبع أصحابه ، فأخذ منهم حيدرة ، والسمري ، ومحمد بن علي القنائي ، وأبا المغيث الهاشمي ، وابن حماد ، وكبس بيته ، وأخذت منه دفاتر كثيرة ، وبعضها مكتوب بالذهب ، مبطنة بالحرير ، فقال له حامد : أما قبضت عليك بواسط فذكرت لي دفعة أنك المهدي ، وذكرت مرة أنك تدعو إلى عبادة الله ، فكيف ادعيت بعدي الإلهية ؟ .

وكان في الكتب عجائب من مكاتباته إلى أصحابه النافذين إلى [ ص: 339 ] النواحي ، يوصيهم بما يدعون الناس إليه ، وما يأمرهم به من نقلهم من حال إلى حال ، ورتبة إلى رتبة ، وأن يخاطبوا كل قوم على حسب عقولهم وقدر استجابتهم وانقيادهم ، وأجاب بألفاظ مرموزة ، لا يعرفها غير من كتبها وكتبت إليه ، وفي بعضها صورة فيها اسم الله على تعويج ، وفي داخل ذلك التعويج مكتوب : علي عليه السلام .

إلى أن قال : وحضرت مجلس حامد وقد أحضر سفط من دار القنائي ، فإذا فيه قدر جافة ، وقوارير فيها شيء كالزئبق ، وكسر جافة ، فعجب الوزير من تلك القدر ، وجعلها في سفط مختوم ، فسئل السمري ، فدافع ، فألحوا عليه ، فذكر أنها رجيع الحلاج ، وأنه يشفي ، وأن الذي في القوارير بوله . فقال السمري لي : فكل من هذه الكسر ، ثم انظر كيف يكون قلبك للحلاج .

ثم أحضر حامد الحلاج وقال : أيش في هذا السفط ؟ قال : ما أدري . وجاء غلام حامد الذي كان يخدم الحلاج ، فأخبر أنه دخل بطبق . قال : فوجده ملء البيت من سقفه إلى أرضه ، فهاله ما رأى ، ورمى بالطبق من يده وحم .

قال ابن زنجي : وحملت دفاتر من دور أصحاب الحلاج ، فأمرني حامد أن أقرأها والقاضي أبو عمر حاضر ، والقاضي أبو الحسين بن الأشناني ، فمن ذلك : أن الإنسان إذا أراد الحج أفرد في داره بيتا وطاف به أيام الموسم ، ثم جمع ثلاثين يتيما ، وكساهم قميصا قميصا ، وعمل لهم طعاما طيبا ، فأطعمهم ، وخدمهم ، وكساهم ، وأعطى لكل واحد سبعة دراهم أو ثلاثة ، فإذا فعل ذلك قام له ذلك مقام الحج .

فلما قرأ ذلك الفصل التفت القاضي أبو عمر إلى الحلاج ، وقال له : من أين لك هذا ؟ قال : من [ ص: 340 ] كتاب " الإخلاص " للحسن البصري . قال : كذبت يا حلال الدم ! قد سمعنا كتاب " الإخلاص " وما فيه هذا . فلما قال أبو عمر : كذبت يا حلال الدم ، قال له حامد : اكتب بهذا . فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلاج ، فألح عليه حامد ، وقدم له الدواة ، فكتب بإحلال دمه ، وكتب بعده من حضر المجلس ، فقال الحلاج : ظهري حمى ، ودمي حرام ، وما يحل لكم أن تتأولوا علي ، واعتقادي الإسلام ، ومذهبي السنة ، فالله الله في دمي .

ولم يزل يردد هذا القول وهم يكتبون خطوطهم ، ثم نهضوا ، ورد الحلاج إلى الحبس ، وكتب إلى المقتدر بخبر المجلس ، فأبطأ الجواب يومين ، فغلظ ذلك على حامد ، وندم وتخوف ، فكتب رقعة إلى المقتدر في ذلك ويقول : إن ما جرى في المجلس قد شاع ، ومتى لم تتبعه قتل هذا افتتن به الناس ، ولم يختلف عليه اثنان .

فعاد الجواب من الغد من جهة مفلح : إذا كان القضاة قد أباحوا دمه فليحضر محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة ، ويتقدم بتسليمه وضربه ألف سوط ، فإن هلك وإلا ضربت عنقه .

فسر حامد ، وأحضر صاحب الشرطة ، وأقرأه ذلك ، وتقدم إليه بتسليم الحلاج ، فامتنع ، وذكر أنه يتخوف أن ينتزع منه ، فبعث معه غلمانه حتى يصيروه إلى مجلسه ، ووقع الاتفاق على أن يحضر بعد عشاء الآخرة ، ومعه جماعة من أصحابه ، وقوم على بغال موكفة مع سياس ، فيحمل على واحد منها ، ويدخل في غمار القوم . وقال حامد له : إن قال لك : أجري لك الفرات ذهبا ، فلا ترفع عنه الضرب .

فلما كان بعد العشاء أتى محمد بن عبد الصمد إلى حامد ، ومعه الرجال والبغال ، فتقدم إلى غلمانه بالركوب معه إلى داره ، وأخرج له الحلاج ، فحكى الغلام : أنه لما فتح الباب عنه وأمره بالخروج ، قال : من عند [ ص: 341 ] الوزير ؟ قال : محمد بن عبد الصمد . قال : ذهبنا والله . وأخرج ، فأركب بغلا ، واختلط بجملة الساسة ، وركب غلمان حامد حوله حتى أوصلوه ، فبات عند ابن عبد الصمد ، ورجاله حول المجلس .

فلما أصبح أخرج الحلاج إلى رحبة المجلس ، وأمر الجلاد بضربه ، واجتمع خلائق ، فضرب تمام ألف سوط وما تأوه ، بلى لما بلغ ستمائة سوط ، قال لابن عبد الصمد : ادع بي إليك ; فإن عندي نصيحة تعدل فتح قسطنطينية . فقال له محمد : قد قيل لي : إنك ستقول ما هو أكبر من هذا ، وليس إلى رفع الضرب سبيل .

ثم قطعت يده ، ثم رجله ، ثم حز رأسه ، وأحرقت جثته ، وحضرت في هذا الوقت راكبا والجثة تقلب على الجمر ، ونصب الرأس يومين ببغداد ، ثم حمل إلى خراسان وطيف به . وأقبل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما .

واتفق زيادة دجلة تلك السنة زيادة فيها فضل ، فادعى أصحابه أن ذلك بسببه ; لأن رماده خالط الماء .

وزعم بعضهم : أن المقتول عدو للحلاج ألقي عليه شبهه .

وادعى بعضهم أنه -في ذلك اليوم بعد قتله- رآه راكبا حمارا في طريق النهروان ، وقال : لعلكم مثل هؤلاء البقر الذين ظنوا أني أنا المضروب المقتول .

وزعم بعضهم أن دابة حولت في صورته . وأحضر جماعة من الوراقين ، فأحلفوا أن لا يبيعوا من كتب الحلاج شيئا ، ولا يشتروها .

[ ص: 342 ] عن فارس البغدادي قال : قطعت أعضاء الحلاج وما تغير لونه .

وعن أبي بكر العطوفي قال : قطعت يدا الحلاج ورجلاه وما نطق .

السلمي : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان : سمعت محمد بن علي الكتاني يقول : سئل الحلاج عن الصبر ، فقال : أن تقطع يدا الرجل ورجلاه ، ويسمر ، ويصلب على هذا الجسر . قال : ففعل به كل ذلك .

وعن أبي العباس بن عبد العزيز -رجل مجهول- قال : كنت أقرب الناس من الحلاج حين ضرب ، فكان يقول مع كل سوط : أحد أحد .

السلمي : سمعت عبد الله بن علي ، سمعت عيسى القصار يقول : آخر كلمة تكلم بها الحسين بن منصور عند قتله : حسب الواحد إفراد الواحد له . فما سمع بهذه الكلمة فقير إلا رق له واستحسنها منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث