الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : القسم الرابع : أن يكون ذلك وديعة للموكل ويأمر وكيله بإيداعها عند رجل فيدعي الوكيل تسليمها إليه فيكذب في دعواه فلا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : أن يكذبه المالك الموكل في الدفع ، ويكذبه المودع في القبض ففيه وجهان من اختلافهم في وجوب الإشهاد عليه عند الدفع : أحدهما يجب عليه الإشهاد كما يجب عليه في قضاء الدين ، فعلى هذا يكون الوكيل بترك الإشهاد مفرطا ، وقوله في الدفع بعد ضمانه بالتفريط غير مقبول .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن الإشهاد لا يجب عليه في دفع الوديعة لأن المودع عنده لو ادعى تلفها بعد الإشهاد عليه كان مقبول القول فيه ، فعلى هذا لا يكون مفرطا ، وقوله في الدفع مقبول .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن يصدقه المالك الموكل ويكذبه المودع فلا ضمان على الوكيل ، وقوله بتصديق الموكل مقبول عليه في سقوط الضمان عنه وغير مقبول على المودع ، فإذا حلف المودع ما تسلم منه الوديعة برئ من الدعوى .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : أن يصدقه المودع على قبضها منه ، ويدعي تلفها ويكذبه المالك الموكل ، فقول الوكيل مقبول ، وهو من ضمانها بريء لأن إقرار المودع بالقبض أقوى من الإشهاد عليه ، فلما برئ بالإشهاد عليه فأولى أن يبرأ بالإقرار .

                                                                                                                                            فصل : فأما ولي الطفل فيما يدعيه عليه من مال صرفه إليه فلا يخلو من ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : أن يكون أبا أو أمين حاكم أو وصي أب ، فإن كان الولي أبا يلي بنفسه فهو [ ص: 529 ] مقبول القول على ولده إذا بلغ رشيدا فيما أنفقه عليه من ماله ، وفيما دفعه إليه من ماله لانتفاء التهمة عنه ، فكان بقبول قوله على ولده أولى من وكيل الحي .

                                                                                                                                            وإن كان الولي أمين حاكم فقوله فيما أنفقه عليه مقبول ، وفيما رده عليه من ماله غير مقبول لما ندب إليه من الإشهاد عليه .

                                                                                                                                            وقال ابن المرزبان من أصحابنا البغداديين : إن قوله في رد ماله عليه مقبول كقبوله في النفقة ، وهذا خطأ ، والفرق بين النفقة ورد المال من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن النفقة عليه في حال الصغر وحين الولاية يقبل قوله فيها ورد ماله عليه بعد البلوغ والرشد فلم يقبل قوله فيه .

                                                                                                                                            والثاني : أن الإشهاد على النفقة متعذر ، فكان قوله فيها مقبولا ، والإشهاد على رد المال ممكن فلم يقبل قوله فيه ، وهكذا حال ولي المحجور عليه بالسفه يستوي فيه مال الأب وولي الحاكم ، يقبل قوله في النفقة ولا يقبل في رد المال بعد الرشد .

                                                                                                                                            وإن كان ولي الطفل وصيا ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبى هريرة وجمهور أصحابنا أنه كأمين الحاكم يقبل قوله في النفقة ولا يقبل قوله في رد المال لأن ولايته بغيره .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أنه كالأب مقبول القول في النفقة ورد المال ؛ لأن الأب قد أقامه مقام نفسه ، وهذا خطأ لأن أمين الحاكم قائم مقام الحاكم وقوله في رد المال غير مقبول بخلاف الحاكم فكذا الوصي والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية