الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                وأما شرائط الاستحباب فأنواع : ( منها ) أن يكون عدلا أمينا عالما بالقسمة ; لأنه لو كان غير عدل خائنا ، أو جاهلا بأمور القسمة يخاف منه الجور في القسمة لا يجوز .

                                                                                                                                ( ومنها ) أن يكون منصوب القاضي ; لأن قسمة غيره لا تنفذ على الصغير والغائب ; ولأنه أجمع لشرائط الأمانة ، والأفضل أن يرزقه من بيت المال ; ليقسم للناس من غير أجر عليهم ; لأن ذلك أرفق بالمسلمين ، فإن لم يمكنه أن يرزقه من بيت المال يقسم لهم بأجر عليهم ، ولكن ينبغي للقاضي أن يقدر له أجرة معلومة كي لا يتحكم على الناس ، ولو أراد الناس أن يستأجروا قساما آخر غير الذي نصبه القاضي لا يمنعهم القاضي عن ذلك ، ولا يجبرهم على أن يستأجروا قساما ; لأنه لو فعل ذلك لعله لا يرضى إلا بأجرة كثيرة فيتضرر الناس ، وكذا لا يترك القسامين يشتركون في القسم ; لما قلنا .

                                                                                                                                ( ومنها ) المبالغة في تعديل الأنصباء ، والتسوية بين السهام بأقصى الإمكان ; لئلا يدخل قصور في سهم ، وينبغي أن لا يدع حقا بين شريكين غير مقسوم من الطريق والمسيل والشرب ، إلا إذا لم يمكن ، وينبغي أن لا يضم نصيب بعض الشركاء إلى بعض إلا إذا رضوا بالضم ; لأنه يحتاج إلى القسمة ثانيا ، وينبغي أن لا يدخل في قسمة الدار ونحوها الدراهم ، إلا إذا كان لا يمكن القسمة إلا كذلك ; لأن محل القسمة الملك المشترك ، ولا شركة في الدراهم فلا يدخلها في القسمة إلا عند الضرورة ، والله سبحانه وتعالى الموفق .

                                                                                                                                ( ومنها ) أن يقرع بينهم بعد الفراغ من القسمة ، ويشترط عليهم قبول من خرج سهمه أولا فله هذا السهم من هذا الجانب من الدار ، ومن خرج سهمه بعده فله السهم الذي يليه هكذا ، ثم يقرع بينهم ; لا لأن القرعة يتعلق بها حكم ; بل لتطييب النفوس ; ولورود السنة بها ; ولأن ذلك أنفى للتهمة فكان سنة ، والله سبحانه وتعالى أعلم وإذا قسم بأجرة فأجرة القسمة على عدد الرءوس عند أبي حنيفة - رحمه الله ، وعندهما - رحمهما الله - على قدر الأنصباء .

                                                                                                                                ( وجه ) قولهما أن أجرة القسمة من مؤنات الملك فيتقدر بقدره كالنفقة .

                                                                                                                                ( وجه ) قول أبي حنيفة - عليه الرحمة - أن الأجرة بمقابلة العمل ، وعمله في حق الكل على السواء فكانت الأجرة عليهم على السواء ; وهذا لأن عمله تمييز الأنصباء ، والتمييز عمل واحد ; لأن تمييز القليل من الكثير ، هو بعينه تمييز الكثير من القليل ، والتفاوت في شيء واحد محال ، وإذا لم يتفاوت العمل لا تتفاوت الأجرة بخلاف النفقة ; لأنها بمقابلة الملك ، والملك يتفاوت فهو الفرق ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية