الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              4617 باب : ما ذكر في كذاب ثقيف ، ومبيرها

                                                                                                                              ولفظ النووي : (باب ذكر كذاب ثقيف ، ومبيرها) .

                                                                                                                              (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم النووي ، ص98 - 100 ج16 ، المطبعة المصرية

                                                                                                                              (عن أبي نوفل ؛ رأيت عبد الله بن الزبير ، على عقبة المدينة . قال : فجعلت قريش تمر عليه ، والناس ، حتى مر عليه : عبد الله بن عمر . فوقف عليه ، فقال : السلام عليك ، أبا خبيب ! السلام عليك ، أبا خبيب ! السلام عليك ، أبا خبيب ! أما والله ! لقد كنت أنهاك عن هذا . أما والله ! لقد كنت أنهاك عن هذا . أما والله ! لقد كنت أنهاك عن هذا . أما والله ! إن كنت -ما علمت- : صواما ، قواما ، وصولا للرحم . أما والله ! لأمة أنت أشرها : لأمة خير .

                                                                                                                              ثم نفذ عبد الله بن عمر . فبلغ الحجاج : موقف عبد الله ، وقوله ، فأرسل إليه ، فأنزل عن جذعه ، فألقي في قبور اليهود . ثم أرسل إلى أمه : [ ص: 39 ] أسماء بنت أبي بكر ، فأبت أن تأتيه ، فأعاد عليها الرسول : لتأتيني ، أو لأبعثن إليك : من يسحبك بقرونك . قال : فأبت ، وقالت : والله ! لا آتيك ، حتى تبعث إلي : من يسحبني بقروني . قال : فقال : أروني سبتي . فأخذ نعليه ، ثم انطلق يتوذف ، حتى دخل عليها . فقال : كيف رأيتني صنعت بعدو الله ؟ قالت رأيتك أفسدت عليه دنياه ، وأفسد عليك آخرتك . بلغني : أنك تقول له : يا ابن ذات النطاقين ! أنا ، والله ذات النطاقين ؛ أما أحدهما : فكنت أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطعام أبي بكر : من الدواب . وأما الآخر : فنطاق المرأة ، التي لا تستغني عنه .

                                                                                                                              أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ حدثنا : "أن في ثقيف كذابا ، ومبيرا" ؛ فأما الكذاب ؛ فرأيناه ، وأما المبير ؛ فلا إخالك إلا إياه . قال فقام عنها ، ولم يراجعها ) .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن أبي نوفل ، قال : رأيت عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ، على عقبة المدينة) هي عقبة بمكة .

                                                                                                                              (قال : فجعلت قريش تمر عليه ، والناس ، حتى مر عليه : عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . فوقف عليه ، فقال : السلام عليك ، أبا خبيب !) بضم الخاء المعجمة : "كنية ابن الزبير" ، كني بابنه [ ص: 40 ] "خبيب" . وكان أكبر أولاده . وله ثلاث كنى ، ذكرها البخاري "في التاريخ" ، وآخرون ؟ : أبو خبيب ، وأبو بكر ، وأبو بكير .

                                                                                                                              (السلام عليك ، أبا خبيب ! السلام عليك ، أبا خبيب !)

                                                                                                                              فيه : استحباب السلام على الميت في قبره ، وغيره ، وتكرير السلام ثلاثا . كما كرر ابن عمر رضي الله عنه .

                                                                                                                              (أما والله ! لقد كنت أنهاك عن هذا . أما والله ! لقد كنت أنهاك عن هذا . أما والله ! لقد كنت أنهاك عن هذا) أي : عن المنازعة الطويلة .

                                                                                                                              وفيه : خطاب الحي للميت . وهذا يدل على سماع الموتى ، وشعورهم ، وإدراكهم بزائرهم وكلامه . ولولا ذلك ، لكان الخطاب عبثا ضائعا .

                                                                                                                              (أما والله ! إن كنت -ما علمت- لصواما ، قواما ، وصولا للرحم) .

                                                                                                                              فيه الثناء على الموتى : بجميل صفاتهم المعروفة .

                                                                                                                              قال عياض : وصفه "بصلة الرحم" : أصح من قول بعض الإخباريين : ووصفه بالإمساك . وقد عده صاحب "كتاب الأجواد" : فيهم . وهو المعروف من أحواله .

                                                                                                                              (أما والله ! لأمة أنت شرها : لأمة خير) هكذا في كثير من نسخنا : [ ص: 41 ] "لأمة خير" . وكذا نقله عياض ، عن جمهور رواة صحيح مسلم .

                                                                                                                              وفي أكثر النسخ : "لأمة سوء" . ونقله عياض عن رواية السمرقندي . قال : وهو خطأ وتصحيف . (ثم نفذ عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما . أي انصرف (فبلغ الحجاج : موقف عبد الله ، وقوله . فأرسل إليه ، فأنزل عن جذعه ، فألقي في قبور اليهود) .

                                                                                                                              فيه : منقبة لابن عمر ، لقوله في الملأ بالحق ، وعدم اكتراثه بالحجاج . لأنه يعلم : أنه يبلغه مقامه عليه ، وقوله وثناؤه عليه . فلم يمنعه ذلك : أن يقول الحق ، ويشهد لابن الزبير بما يعلمه فيه : من الخير ، وبطلان ما شاع عند الحجاج من قوله : إنه عدو الله ، وظالم ، ونحوه . فأراد ابن عمر : براءة ابن الزبير ، من ذلك الذي نسبه إليه الحجاج . وأعلم الناس بمحاسنه . ضد ما قاله الحجاج .

                                                                                                                              قال النووي : ومذهب أهل الحق : أن ابن الزبير ، كان مظلوما ، وأن الحجاج ورفقته : كانوا خوارج عليه .

                                                                                                                              (ثم أرسل إلى أمه : أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم . فأبت أن تأتيه . فأعاد عليها الرسول : لتأتيني ، أو لأبعثن إليك : من يسحبك بقرونك) . أي : يجرك بضفائر شعرك .

                                                                                                                              (قال : فأبت ، وقالت : والله ! لا آتيك ، حتى تبعث إلي : من يسحبني بقروني . قال : فقال : أروني سبتي) بكسر السين ، وإسكان الباء ، وتشديد آخره . وهي "النعل" ، التي لا شعر عليها .

                                                                                                                              [ ص: 42 ] (فأخذ نعليه ، ثم انطلق يتوذف) : بالواو ، والذال ، والفاء . قال أبو عبيد : معناه : يسرع . وقال أبو عمرو : معناه : يتبختر .

                                                                                                                              (حتى دخل عليها ، فقال : كيف رأيتني صنعت بعدو الله ؟ قالت : رأيتك أفسدت عليه دنياه ، وأفسد عليك آخرتك . بلغني : أنك تقول له : يا ابن ذات النطاقين !) بكسر النون .

                                                                                                                              قال العلماء : "النطاق ، أن تلبس المرأة ثوبها ، ثم تشد وسطها بشيء ، وترفع وسط ثوبها ، وترسله على الأسفل . تفعل ذلك عند معاناة الأشغال ، لئلا تتعثر في ذيلها .

                                                                                                                              قيل : سميت أسماء : "ذات النطاقين" ؛ لأنها كانت تطارف نطاقا فوق نطاق .

                                                                                                                              والأصح : أنها سميت بذلك ؛ لأنها شقت نطاقها الواحد : نصفين ؛ فجعلت أحدهما : نطاقا صغيرة ، واكتفت به . والآخر : لسفرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأبي بكر رضي الله عنه . كما صرحت به ، في هذا الحديث هنا ، وفي البخاري . ولفظ البخاري : أوضح من لفظ مسلم .

                                                                                                                              (أنا والله ! ذات النطاقين ؛ أما أحدهما . فكنت أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وطعامأبي بكر) الصديق رضي الله عنه : (من الدواب . وأما الآخر : فنطاق المرأة ، التي لا تستغني عنه . أما إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ حدثنا : "أن في ثقيف كذابا ، ومبيرا" . فأما الكذاب ؛ فرأيناه . وأما المبير ؛ فلا إخالك إلا إياه . [ ص: 43 ] قال : فقام عنها ، ولم يراجعها) .

                                                                                                                              "إخالك" بفتح الهمزة ، وكسرها وهو الأشهر . ومعناه : أظنك . و"المبير" : المهلك .

                                                                                                                              وعنت بالكذاب : "المختار بن عبيد الثقفي" ، كان شديد الكذب . ومن أقبحه : أنه ادعى أن جبريل عليه السلام ، يأتيه .

                                                                                                                              واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا : "المختار المذكور" . و"بالمبير" : الحجاج بن يوسف . والله أعلم .




                                                                                                                              الخدمات العلمية