الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            الصفة الخامسة: قوله تعالى : ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ) وفيه سؤالات:

                                                                                                                                                                                                                                            السؤال الأول: لم لم يقل : إلا عن أزواجهم؟ الجواب: قال الفراء : معناه : إلا من أزواجهم، وذكر صاحب "الكشاف" فيه ثلاثة أوجه.

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها: أنه في موضع الحال ؛ أي: إلا والين على أزواجهم أو قوامين عليهن ، من قولك: كان فلان على فلانة، ونظيره كان زياد على البصرة ؛ أي واليا عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان ، ومن ثم [ ص: 71 ] سميت المرأة فراشا. والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلا في حال تزويجهم أو تسريهم .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها: أنه متعلق بمحذوف يدل عليه ( غير ملومين ) كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم ؛ أي: يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه ، وهو قول الزجاج .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها: أن تجعله صلة لـ ( حافظون ).

                                                                                                                                                                                                                                            السؤال الثاني: هلا قيل : من ملكت؟ الجواب: لأنه اجتمع في السرية وصفان، أحدهما: الأنوثة وهي مظنة نقصان العقل، والآخر كونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع، فلاجتماع هذين الوصفين فيها جعلت كأنها ليست من العقلاء.

                                                                                                                                                                                                                                            السؤال الثالث: هذه الآية تدل على تحريم المتعة على ما يروى عن القاسم بن محمد؟ الجواب: نعم, وتقريره أنها ليست زوجة له فوجب أن لا تحل له، وإنما قلنا: إنها ليست زوجة له; لأنهما لا يتوارثان بالإجماع، ولو كانت زوجة له لحصل التوارث لقوله تعالى : ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم ) [النساء: 12] وإذا ثبت أنها ليست بزوجة له وجب أن لا تحل له لقوله تعالى : ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) وهو أعلم.

                                                                                                                                                                                                                                            السؤال الرابع: أليس لا يحل له في الزوجة وملك اليمين الاستمتاع في أحوال كحال الحيض وحال العدة، وفي الأمة حال تزويجها من الغير وحال عدتها، وكذا الغلام داخل في ظاهر قوله تعالى: ( أو ما ملكت أيمانهم ) والجواب من وجهين.

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما: أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن الاستثناء من النفي لا يكون إثباتا، واحتج عليه بقوله عليه السلام : " لا صلاة إلا بطهور، ولا نكاح إلا بولي " فإن ذلك لا يقتضي حصول الصلاة بمجرد حصول الطهور، وحصول النكاح بمجرد حصول الولي. وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به, فقوله: ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ) معناه أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات.

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني: أنا إن سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات، فغايته أنه عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى فيما وراءه حجة.

                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله تعالى : ( فأولئك هم العادون ) يعني الكاملون في العدوان المتناهون فيه.

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية