الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
المسألة الأولى

[ نذر المعصية ]

اختلفوا فيمن نذر معصية : فقال مالك ، والشافعي وجمهور العلماء : ليس يلزمه في ذلك شيء . وقال أبو حنيفة ، وسفيان ، والكوفيون : بل هو لازم ، واللازم عندهم فيه هو كفارة يمين ، لا فعل المعصية .

وسبب اختلافهم : تعارض ظواهر الآثار في هذا الباب ، وذلك أنه روي في هذا الباب حديثان أحدهما : حديث عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : " من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " . فظاهر هذا أنه لا يلزم النذر بالعصيان .

والحديث الثاني : حديث عمران بن حصين ، وحديث أبي هريرة الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام [ ص: 348 ] أنه قال " لا نذر في معصية الله ، وكفارته كفارة يمين " . وهذا نص في معنى اللزوم .

فمن جمع بينهما في هذا ، قال : الحديث الأول تضمن الإعلام بأن المعصية لا تلزم ، وهذا الثاني تضمن لزوم الكفارة . فمن رجح ظاهر حديث عائشة إذ لم يصح عنده حديث عمران وأبي هريرة قال : ليس يلزم في المعصية شيء . ومن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين أوجب في ذلك كفارة يمين .

قال أبو عمر بن عبد البر : ضعف أهل الحديث حديث عمران ، وأبي هريرة قالوا : لأن حديث أبي هريرة يدور على سليمان بن أرقم ، وهو متروك الحديث ، وحديث عمران بن الحصين يدور على زهير بن محمد عن أبيه ، وأبوه مجهول لم يرو عنه غير ابنه ، وزهير أيضا عنده مناكير ، ولكنه خرجه مسلم من طريق عقبة بن عامر .

وقد جرت عادة المالكية أن يحتجوا لمالك في هذه المسألة بما روي : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس ، فقال : ما بال هذا ؟ قالوا : نذر أن لا يتكلم ولا يستظل ولا يجلس ، ويصوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مروه فليتكلم وليجلس وليتم صيامه " . قالوا : فأمره أن يتم ما كان طاعة لله ، ويترك ما كان معصية ، وليس بالظاهر أن ترك الكلام معصية ، وقد أخبر الله أنه نذر مريم ، وكذلك يشبه أن يكون القيام في الشمس ليس بمعصية ، إلا ما يتعلق بذلك من جهة إتعاب النفس ، فإن قيل : فيه معصية ، فبالقياس لا بالنص ، فالأصل فيه أنه من المباحات .

التالي السابق


الخدمات العلمية