الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                [ ص: 43 ] فصل

                                خرج البخاري ومسلم :

                                14 14 - من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " والذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده " .

                                وخرج البخاري ومسلم أيضا :

                                15 15 - من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " .

                                التالي السابق


                                محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصول الإيمان ، وهي مقارنة لمحبة الله عز وجل . وقد قرنها الله بها ، وتوعد من قدم عليهما محبة شيء من الأمور المحبوبة طبعا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك ، فقال تعالى : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره

                                ولما قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم : أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ! فقال : " لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ! " فقال عمر : والله ، أنت الآن أحب إلي من نفسي ! قال : " الآن يا عمر ! "

                                فيجب تقديم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على النفوس والأولاد والأقارب والأهلين والأموال والمساكن ، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة .

                                [ ص: 44 ] وإنما تتم المحبة بالطاعة كما قال تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله

                                وسئل بعضهم عن المحبة ، فقال : الموافقة في جميع الأحوال .

                                فعلامة تقديم محبة الرسول على محبة كل مخلوق أنه إذا تعارض طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أوامره ، وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة ; فإن قدم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي كان دليلا على صحة محبته للرسول وتقديمها على كل شيء ، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئا من هذه الأشياء المحبوبة طبعا دل ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه .

                                وكذلك القول في تعارض محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس ; فإن محبة الرسول تبع لمحبة مرسله عز وجل .

                                هذا كله في امتثال الواجبات وترك المحرمات ، فإن تعارض داعي النفس ومندوبات الشريعة ; فإن بلغت المحبة إلى تقديم المندوبات على دواعي النفس كان ذلك علامة كمال الإيمان وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين المتقربين بالنوافل بعد الفرائض ، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى هذه الدرجة فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ، ولم يزيدوا عليها .



                                الخدمات العلمية