الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              2225 2352 - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه أنها حلبت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاة داجن وهي في دار أنس بن مالك، وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القدح [ ص: 307 ] فشرب منه، حتى إذا نزع القدح من فيه، وعلى يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فقال عمر، وخاف أن يعطيه الأعرابي: أعط أبا بكر يا رسول الله عندك. فأعطاه الأعرابي الذي على يمينه، ثم قال: " الأيمن فالأيمن". [2571، 5612، 5619 - مسلم: 2029 - فتح: 5 \ 30]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ثم ساق حديث أبي حازم عن سهل بن سعد، قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره، فقال: "يا غلام، أتأذن لي أن أعطي الأشياخ؟ ". قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحدا يا رسول الله. فأعطاه إياه .

                                                                                                                                                                                                                              وحديث أنس أنها حلبت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاة داجن وهي في دار أنس بن مالك، وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القدح فشرب وشرب معه، حتى إذا نزع القدح من فيه، وعلى يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فقال عمر، وخاف أن يعطيه الأعرابي: أعط أبا بكر يا رسول الله عندك. فأعطى الأعرابي الذي على يمينه، ثم قال: "الأيمن فالأيمن ".

                                                                                                                                                                                                                              الشرح:

                                                                                                                                                                                                                              قوله: (فراتا: عذبا) ، يقال: ماء فرات ومياه فرات، وقوله: (ثجاجا) صبابا، وقال مجاهد : منصبا كما ذكره في الأصل، وقيل: متدفقا، وقيل: سيالا، وهو متقارب.

                                                                                                                                                                                                                              والماء في الحقيقة منصب أو مصبوب.

                                                                                                                                                                                                                              وتعليق عثمان أسنده في باب: إذا وقف أرضا أو بئرا واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين فقال: [ ص: 308 ]

                                                                                                                                                                                                                              وقال عبدان : أخبرني أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن : أن عثمان حين حوصر أشرف عليهم فقال: أنشدكم ولا أنشد إلا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ألستم تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حفر بئر رومة فله الجنة" فحفرتها... الحديث.

                                                                                                                                                                                                                              وأسنده الإسماعيلي بلفظه من حديث أحمد بن سنان والقاسم بن محمد : ثنا عبدان عبد الله بن عثمان به. وأبو نعيم من حديث القاسم المروزي، ثنا عبدان فذكره، ولعل المراد بالحفر الشراء. وفي الترمذي من حديث أبي عبد الرحمن السلمي : لما حصر عثمان ... الحديث: أذكركم بالله، هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن فابتعتها فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: اللهم نعم. ثم قال: حسن صحيح غريب.

                                                                                                                                                                                                                              ثم رواه من حديث ثمامة بن حزن القشيري : شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي؟ فجيء بهما، كأنهما جملان أو كأنهما حماران، فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة؟ فقال: "من يشتريها فيجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ ". فاشتريتها من صلب مالي... الحديث. ثم قال: حسن، وقد روي من غير وجه عن عثمان . [ ص: 309 ]

                                                                                                                                                                                                                              ورواه النسائي من طرق أيضا بلفظ: "من يشتري بئر رومة؟ ".

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن بطال : ورواه معتمر، عن أبي نضرة عن أبي سعيد - مولى ابن أسد - عنه.

                                                                                                                                                                                                                              وزعم الكلبي أنه كان قبل أن يشتريها عثمان يشترى منها كل قربة بدرهم.

                                                                                                                                                                                                                              وزعم الإسماعيلي أن البخاري بوب: دلوه فيها كدلاء المسلمين، قال: ولم يذكر فيه حديثا وكذا قاله ابن المنير، وقد علمت أنه مذكور هنا.

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن التين : وفي رواية أخرى: "وله الجنة" وقد أسلفتها لك، ثم نقل عن الشيخ أبي الحسن : أن أصل آبار الصدقة التي تبنى في الطريق للمشقة فكل بئر للصدقة، فإنما دلوه مع دلاء المسلمين.

                                                                                                                                                                                                                              وأما ابن بطال فذكره في الباب قبله أيضا.

                                                                                                                                                                                                                              وقال: بئر رومة كانت ليهودي، وكان يقفل عليها بقفل ويغيب، فيأتي المسلمون ليشربوا منها الماء فلا يجدونه حاضرا فيرجعون بغير ماء، فشكا المسلمون ذلك، فقال - صلى الله عليه وسلم - من يشتريها ويبيحها للمسلمين، [ ص: 310 ] ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدهم وله الجنة فاشتراها عثمان .

                                                                                                                                                                                                                              قال: وهو حجة لمالك ومن وافقه أنه لا بأس ببيع الآبار والعيون في الحضر إذا احتفرها لنفسه لا للصدقة، فلا بأس ببيع مائها، وكره بيع ما حفر من الآبار في الصحراء من غير أن يحرمه. وقوله: "فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين" يعني: يوقفها ويكون حظه منها كحظ غيره من غير مزية، وظاهره أن له الانتفاع إذا شرطه، قال: ولا شك أنه إذا جعلها للسقاة أن له الشرب إن لم يشرطه، لدخوله في جملتهم، بخلاف العقار، فلابد في الانتفاع به من الشرط، أن يكون نصيبه فيه كنصيب أحد المسلمين، وإلا فلا ينتفع به؛ لأنه أخرجه لله فلا رجوع فيه، قال: والفرق بين البئر والعقار: أن سائر الغلات تنقطع في أوقات ما، وإذا أخذ منها المحبس فقد حرم ذلك الشيء أهل الحاجة، وانفرد به، وماء الآبار لا ينقطع أبدا لأنها نابعة، فلا يحرم أحدا من أهل الحاجة ما أخذ منها محبسها، وسيأتي ما يجوز انتفاع المحبس به من حبسه في الوقف في باب: هل ينتفع الواقف (بوقفه).

                                                                                                                                                                                                                              وحديث سهل بن سعد، روى ( أبو حازم ) هذا الحديث عن أبيه؛ فقال فيه: وعن يساره أبو بكر، وذكر أبي بكر فيه عندهم خطأ وإنما هو محفوظ من حديث الزهري . [ ص: 311 ]

                                                                                                                                                                                                                              (و) عن ( عمرو بن حرملة )، عن ابن عباس قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن فشرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا معه، وخالد عن شماله فقال لي: "الشربة لك وإن شئت آثرت خالدا" فقال: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أطعمه الله طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه" ثم ذكر مثله في اللبن بزيادة: "وزدنا منه".

                                                                                                                                                                                                                              وروي من طريق إسماعيل بن جعفر : أخبرني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدح من لبن وغلام عن يمينه والأشياخ أمامه وعن يساره... الحديث.

                                                                                                                                                                                                                              والغلام هنا هو: ابن عباس كما سلف، والأشياخ: خالد بن الوليد أو منهم خالد.

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن بطال : يقال إن الغلام هو الفضل بن العباس، وكذا حكاه ابن التين، وقال في باب: من رأى أن صاحب الحوض أحق بمائه: هو عبد الله بن عباس، وقيل: الفضل. [ ص: 312 ]

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن عبد البر : وروى الحميدي عن سفيان، عن علي بن زيد، عن ابن حرملة، عن ابن عباس قال: دخلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خالتي ميمونة ومعنا خالد بن الوليد (فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) بإناء فيه لبن... الحديث.

                                                                                                                                                                                                                              وحديث أنس أخرجه مسلم والأربعة.

                                                                                                                                                                                                                              وقال الإسماعيلي بدل (فقال عمر): (فقال عبد الرحمن بن عوف : أعط أبا بكر، فأعطاه لأعرابي).

                                                                                                                                                                                                                              ولمسلم : عن عبد الله بن بسر قال: نزل بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرب أبي إليه شرابا فشربه، ثم ناوله الذي عن يمينه .

                                                                                                                                                                                                                              وقال أبو عمر : رواه ابن مهدي، عن مالك عن ابن شهاب عنه بزيادة: " الأيمن فالأيمن ". فمضت السنة قال: وفيه دلالة أن من وجب له شيء من الأشياء لم يدفع عنه ولم يتسور عليه صغيرا كان أو كبيرا إذا كان ممن يجوز إذنه .

                                                                                                                                                                                                                              وفيه أيضا: أن الجلساء شركاء في الهدية، وذلك على جهة الأدب والمروءة والفضل والأخوة لا على الوجوب؛ لإجماعهم على أن [ ص: 313 ] المطالبة بذلك غير واجبة لأحد.

                                                                                                                                                                                                                              قال: وقد روي أنه - عليه السلام - قال: "جلساؤكم شركاؤكم في الهدية " بإسناد فيه لين، وقال الخطابي : العادة من الملوك والرؤساء في الجاهلية أيضا تقديم الأيمن في مناولة الطيب والتحف وغيرهما .

                                                                                                                                                                                                                              قال عمرو بن كلثوم :


                                                                                                                                                                                                                              صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا



                                                                                                                                                                                                                              ويشبه أن يكون المعنى فيه أن اليمين مفضلة على اليسار مقدمة عليها وقد أمرنا بالشرب بها والمعاطاة دون اليسار، وللعادة خشى عمر أن يناوله الأعرابي ويدع الصديق فاستحق الأعرابي دون الصديق ذلك لذلك كالشفعة للأقرب ونحوه.

                                                                                                                                                                                                                              وفي إعرابها وجهان: نصب النون بإضمار ناولوا الأيمن، ورفعها بالابتداء أي: الأيمن أولى.

                                                                                                                                                                                                                              فإذا قلت: استأذن الغلام ولم يستأذن الأعرابي.

                                                                                                                                                                                                                              قلت: كان من المشيخة أيضا ولا علم له بالشرائع بعد، فلم يستأذنه استئلافا وتشريفا له ولم يجعل للغلام ذلك؛ لأنه من أقربائه، وسنه دون [ ص: 314 ] سن الأشياخ الذين كانوا على يساره، فاستأذن فيه أن يعطيهم؛ لئلا يوحشهم بإعطاء ابن عمه وهو صبي ويقدمه عليهم حتى أعلمهم أن ذلك يجب له بالتيامن في الجلوس.

                                                                                                                                                                                                                              وهل تجري هذه السنة في غير المشروب كالملبوس والمأكول وغيرهما من جميع الأشياء؟ قال المهلب وغيره: نعم.

                                                                                                                                                                                                                              وعن مالك أن ذلك في الشراب خاصة. قال أبو عمر : ولا يصح ذلك عنه، قال عياض في بعض الروايات: عمك أو ابن عمك أتأذن لي. وعند أصحابنا لا يجوز الإيثار بالقرب، وإنما الإيثار المحمود ما كان من حظ النفوس دون الطاعات، فيكره أن يؤثر غيره بموضعه من الصف الأول وكذا نظائره.

                                                                                                                                                                                                                              وفيه: دلالة أن من قدم إليه شيء يأكله أو يشربه فليس عليه أن يسأل من أين هو وما أصله إذا علم طيب مكسب صاحبه في الأغلب.

                                                                                                                                                                                                                              وفيه: إجازة خلط اللبن بالماء لمن أراد شربه ولم يرد بيعه، وأن من سبق من مجلس العالم إلى مكان كان أولى به من غيره كائنا من كان، ولا يقام أحد من مجلس جلسه لأحد وإن كان أفضل منه. فلو كان من [ ص: 315 ] على اليمين كافرا كان من أدب جليسه إيثاره على من كان على يساره.

                                                                                                                                                                                                                              فإن قلت: ما وجه دخول حديث سهل هنا؟

                                                                                                                                                                                                                              قلت: بينه ابن المنير وقال: وجه دخوله أن الماء يملك ولهذا استأذن الشارع بعض الشركاء فيه، ورتب قسمته يمنة ويسرة ولو كان مباحا لم يدخله ملك ولا ترتب قسمته.

                                                                                                                                                                                                                              والحديث الثاني مطابق لقوله: "شيب بماء" والاستدلال به ضعيف.

                                                                                                                                                                                                                              ولعل هذا الترتيب؛ لأن اللبن هو الذي ملكه لا الماء.

                                                                                                                                                                                                                              قال الداودي : وإنما أتى هنا بهذا الباب لأن الأرض وما عليها من النبات إنما جعل لبني آدم يكفيهم أحياء وأمواتا وجعل فيها معايش لهم.

                                                                                                                                                                                                                              قلت: وجميع ما يوهب للجماعة من الأشياء كلها هم فيه متشاركون وحقوقهم فيه متساوية لا فضل لأحد منهم على صاحبه، وإنما جازت هبة الماء واللبن غير مقسومين؛ لقلة التشاح فيهما ولأن العادة قد جرت من الجماعة إذا أكلت أو شربت معا أنها تجري في ذلك على المكارمة، ولا يتقصى بعضهم على بعض؛ لأن ذلك إنما يوضع للناس قدر نهمتهم؛ فمنهم من يكفيه اليسير، ومنهم من يكفيه أكثر منه، (إلا) من استعمل أدب المؤاكلة والمشاربة أولى، وأن لا يستأثر أحد منهم بأكثر من نصيب صاحبه. ألا ترى أن مالكا قال: لا يقرن أحد بين تمرتين إلا أن يستأذن أصحابه في ذلك؛ لما كان التمر مما يتشاح فيه أكثر من التشاح من الماء واللبن. [ ص: 316 ]

                                                                                                                                                                                                                              فائدة:

                                                                                                                                                                                                                              الداجن: الشاة المقيمة في الدار لا تخرج إلى المرعى. من الشاء، وكذلك الوحش والطير وغير ذلك إذا ألفت البيت. وشيب: خلط وإذا خلط أطفأ ما فيه من حرارة.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية