الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ المسألة الرابعة ]

[ في العدد ]

وأما المسألة الرابعة ( وهي عدد ما يجزي من الضحايا عن المضحين ) : فإنهم اختلفوا في ذلك ، فقال مالك : يجوز أن يذبح الرجل الكبش أو البقرة أو البدنة مضحيا عن نفسه وعن أهل بيته الذين تلزمه نفقتهم بالشرع ، وكذلك عنده الهدايا . وأجاز الشافعي وأبو حنيفة وجماعة أن ينحر الرجل البدنة عن سبع ، وكذلك البقرة مضحيا أو مهديا . وأجمعوا على أن الكبش لا يجزي إلا عن واحد ، إلا ما رواه مالك من أنه يجزي أن يذبحه الرجل عن نفسه وعن أهل بيته لا على جهة الشركة بل إذا اشتراه مفردا ، وذلك لما روي عن عائشة أنها قالت : " كنا بمنى فدخل علينا بلحم بقر ، فقلنا ما هو ؟ فقالوا : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه " . وخالفه في ذلك أبو حنيفة ، والثوري على وجه الكراهة لا على وجه عدم الإجزاء .

وسبب اختلافهم : معارضة الأصل في ذلك للقياس المبني على الأثر الوارد في الهدايا .

وذلك أن الأصل هو أن لا يجزي إلا واحد عن واحد ، ولذلك اتفقوا على منع الاشتراك في الضأن ، وإنما قلنا : إن الأصل هو أن لا يجزي إلا واحد عن واحد ، لأن الأمر بالتضحية لا يتبعض إذ كان من [ ص: 357 ] كان له شرك في ضحية ليس ينطلق عليه اسم مضح إلا إن قام الدليل الشرعي على ذلك .

وأما الأثر الذي انبنى عليه القياس المعارض لهذا الأصل فما روي عن جابر أنه قال : " نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبع " . وفي بعض روايات الحديث : " سن رسول الله صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة ، ، والبقرة عن سبعة " .

فقاس الشافعي ، وأبو حنيفة الضحايا في ذلك على الهدايا . وأما مالك فرجح الأصل على القياس المبني على هذا الأثر ، لأنه اعتل لحديث جابر بأن ذلك كان حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت ، وهدي المحصر بعد ليس هو عنده واجبا وإنما هو تطوع ، وهدي التطوع يجوز عنده فيه الاشتراك ، ولا يجوز الاشتراك في الهدي الواجب ، لكن على القول بأن الضحايا غير واجبة فقد يمكن قياسها على هذا الهدي ; وروى عنه ابن القاسم أنه لا يجوز الاشتراك لا في هدي تطوع ولا في هدي وجوب ، وهذا كأنه رد للحديث لمكان مخالفته للأصل في ذلك .

وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة ، وإن كان قد روي من حديث رافع بن خديج ومن طريق ابن عباس وغيره : " البدنة عن عشرة " . وقال الطحاوي : وإجماعهم على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة دليل على أن الآثار في ذلك غير صحيحة .

وإنما صار مالك لجواز تشريك الرجل أهل بيته في أضحيته أو هديه لما رواه عن ابن شهاب أنه قال : " ما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل بيته إلا بدنة واحدة أو بقرة واحدة " . وإنما خولف مالك في الضحايا في هذا المعنى ( أعني : في التشريك ) لأن الإجماع انعقد على منع التشريك فيه في الأجانب ، فوجب أن يكون الأقارب في ذلك في قياس الأجانب ، وإنما فرق مالك في ذلك بين الأجانب والأقارب لقياسه الضحايا على الهدايا في الحديث الذي احتج به ( أعني : حديث ابن شهاب ) . فاختلافهم في هذه المسألة إذا رجع إلى تعارض الأقيسة في هذا الباب ( أعني : إما إلحاق الأقارب بالأجانب ، وإما قياس الضحايا على الهدايا ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية