الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              5062 [ ص: 142 ] كتاب صفة الجنة

                                                                                                                              وقال النووي: (كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها).

                                                                                                                              وأقول: ألف الحافظ ابن القيم، رحمه الله: كتابا في أحوال الجنة. وسماه: «حادي الأرواح، إلى بلاد الأفراح»، جمع فيه: كل ما جاء في هذا الباب، من القرآن والحديث. وهو كتاب شريف لطيف، جامع. لم يسبق إليه في ملة الإسلام. احتوى على علم كثير. وقد لخصته في مجلد وسيط. وسميته: «مثير ساكن الغرام، إلى روضات دار السلام» وهو تلوه في إفادة جميع ما فيه.

                                                                                                                              فإن كنت ممن يريد: الاطلاع على حال الجنة وأهلها، فعليك به.

                                                                                                                              ولا مندوحة لك منه.

                                                                                                                              وحيث بسطنا الكلام هناك، على الأدلة الواردة فيها: اختصرنا ههنا، في تشريح أحاديث هذا الكتاب إحالة عليه، وتركا للإطالة.

                                                                                                                              باب في أول زمرة تدخل الجنة

                                                                                                                              وأورده النووي، في (الكتاب المتقدم).

                                                                                                                              (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 170، 171 ج 17، المطبعة المصرية

                                                                                                                              (عن محمد؛ قال: إما تفاخروا - وإما تذاكروا - الرجال في الجنة أكثر، أم النساء ؟

                                                                                                                              [ ص: 143 ] فقال أبو هريرة: أولم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «إن أول زمرة تدخل الجنة: على صورة القمر، ليلة البدر. والتي تليها: على أضوإ كوكب دري، في السماء.

                                                                                                                              لكل امرئ منهم: زوجتان اثنتان. يرى مخ سوقهما: من وراء اللحم. وما في الجنة أعزب ؟ »).


                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن محمد)، يعني: ابن سيرين. (قال: إما تفاخروا - وإما تذاكروا -: الرجال في الجنة أكثر، أم النساء ؟ فقال أبو هريرة: أولم يقل أبو القاسم): محمد رسول الله، (صلى الله عليه) وآله (وسلم: «إن أول زمرة، تدخل الجنة: على صورة القمر، ليلة البدر. والتي تليها: على أضوإ كوكب دري في السماء.

                                                                                                                              لكل امرئ منهم: زوجتان اثنتان. يرى مخ سوقهما: من وراء اللحم. وما في الجنة أعزب ؟ »).

                                                                                                                              «الزمرة»: الجماعة.

                                                                                                                              «والدري»: فيه ثلاث لغات، قرئ بهن في السبع، الأكثرون: «دري»، بضم الدال، وتشديد الياء، بلا همز.

                                                                                                                              [ ص: 144 ] والثانية: بضم الدال ؛ مهموز، ممدود.

                                                                                                                              والثالثة: بكسر الدال، مهموز، ممدود.

                                                                                                                              وهو «الكوكب العظيم».

                                                                                                                              قيل: سمي «دريا»: لبياضه، كالدر. وقيل: لشبهه «بالدر»، في كونه: أرفع من باقي النجوم. كالدر أرفع الجواهر.

                                                                                                                              وقوله: «زوجتان». هكذا في الروايات: «بالتاء». وهي لغة متكررة في الأحاديث، وكلام العرب. والأشهر: حذفها. وبه: جاء القرآن، وأكثر الأحاديث.

                                                                                                                              «وأعزب» بالألف. هكذا في جميع نسخ بلاد النووي. وهي لغة. والمشهور في اللغة: «عزب» بغير ألف.

                                                                                                                              قال عياض: إن جميع رواتهم، رووه: بغير ألف، إلا «العذري»، فرواه بالألف. قال: وليس بشيء.

                                                                                                                              «والعزب»: من لا زوجة له. والعزوب: البعد. وسمي «عزبا» لبعده عن النساء.

                                                                                                                              قال عياض: ظاهر هذا الحديث، أن النساء أكثر أهل الجنة. وفي الحديث الآخر: «أنهن أكثر أهل النار».

                                                                                                                              قال: فيخرج من مجموع هذا، أن النساء أكثر ولد آدم.

                                                                                                                              [ ص: 145 ] قال: وهذا كله في الآدميات. وإلا فقد جاء: «للواحد من أهل الجنة، من الحور: العدد الكثير». انتهى كلام النووي، رحمه الله.

                                                                                                                              وقال ابن القيم، في (حادي الأرواح): إن كن من نساء الدنيا، فالنساء في الدنيا أكثر من الرجال. وإن كن من الحور العين: لم يلزم أن يكن في الدنيا أكثر. والظاهر: أنهن من الحور العين، لما رواه أحمد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «للرجل من أهل الجنة: زوجتان، من الحور العين، على كل واحدة حلة. يرى مخ ساقها: من وراء الثياب».

                                                                                                                              وأما حديث جابر، المتفق على صحته،. يرفعه: «إن منكن في الجنة ليسير» فقالت امرأة: يا رسول الله ! لم ؟ قال: «إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير».

                                                                                                                              وفي الحديث الآخر: «أقل ساكني الجنة: النساء».

                                                                                                                              قيل: فهذا يدل على أنهن، إنما يكن في الجنة بالحور العين، اللاتي خلقهن في الجنة. وأقل ساكنيها نساء الدنيا. فنساء الدنيا: أقل أهل الجنة، وأكثر أهل النار.

                                                                                                                              وأما كونهن أكثر أهل النار: فلحديث «عمران» عند البخاري، وحديث «ابن عباس» عند مسلم، وحديث «أبي هريرة» عند أحمد: بإسناد صحيح، وحديث «ابن عمرو»، أيضا، في المسند: «اطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها: النساء».

                                                                                                                              [ ص: 146 ] وفي حديث «ابن عمر» في الصحيح: «رأيتكن أكثر أهل النار».

                                                                                                                              وأما كونهن: أقل أهل الجنة، ففي أفراد مسلم، عن «عمران» ؛ يرفعه: «إن أقل ساكني الجنة: النساء».

                                                                                                                              وأما رواية «أبي يعلى الموصلي» عن «أبي هريرة» في حديث طويل ؛ يرفعه: «فيدخل الرجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة، مما ينشئ الله، واثنتين من ولد آدم»: ففيه مقال.

                                                                                                                              وإذا روي مثل هذا، مما يخالف الأحاديث الصحيحة: لم يلتفت إلى روايته. انتهى.

                                                                                                                              قلت: وفي حديث الباب، المروي من طريق أخرى، عن «أبي هريرة». وهو متفق عليه. بلفظ: «ولكل امرئ منهم زوجتان، من الحور العين» الحديث.

                                                                                                                              قال في (اللمعات، شرح المشكاة): المراد أن لكل امرئ زوجتين، بهذه الصفة. يعني: حوراء، عيناء. ولا ينافي ذلك: أن يكون له زوجات أخر.

                                                                                                                              [ ص: 147 ] وقيل: المراد «بالتثنية»: التكثير. انتهى.

                                                                                                                              ولعل أخذ الزيادة على الاثنتين: من رواية «أبي يعلى المذكورة قريبا. وقد عرفت أن فيه مقالا، لا يصلح للاحتجاج بسببه.

                                                                                                                              والذي خطر بالبال - حين تحرير هذا المقال -: أن الله سبحانه، أباح لكل رجل من هذه الأمة: أربع زوجات. فإن غفرهن كلهن: لا بد أن يكن عنده في الجنة. فيزيد العدد: على الاثنتين.

                                                                                                                              ولا منافاة بين هذا. وبين حديث الباب. فإن الاثنتين تكونان من الحور العين، وسائرهن: من نساء الدنيا. والله أعلم.




                                                                                                                              الخدمات العلمية