الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة آل عمران

سورة آل عمران

51 - قوله تعالى : إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد أول السورة ، وفي آخرها : إنك لا تخلف الميعاد ، فعدل من الخطاب إلى لفظ الغيبة في أول السورة ، واستمر على الخطاب في آخرها ؛ لأن ما في أول السورة لا يتصل بالكلام الأول كاتصال ما في آخرها ، فإن اتصال قوله تعالى : إن الله لا يخلف الميعاد بقوله : إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه معنوي ، واتصال قوله : إنك لا تخلف الميعاد بقوله : ربنا وآتنا ما وعدتنا لفظي ومعنوي جميعا لتقدم لفظ الوعد ، ( ولا يجوز أن يكون الأول استئنافا ) ، والآخر من تمام الكلام .

52 - قوله : كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ، كان القياس : فأخذناهم ، ولكن لما عدل في الآية الأولى إلى قوله : إن الله لا يخلف الميعاد عدل في هذه الآية أيضا ؛ لتكون الآيات على منهج واحد .

53 - قوله : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، ثم كرر في هذه الآية فقال : لا إله إلا هو ؛ لأن الأول جرى مجرى الشهادة ، وأعاده ليجري الثاني مجرى الحكم بصحة ما شهد به الشهود .

[ ص: 89 ] 54 - قوله : ويحذركم الله نفسه ، كرره مرتين لأنه وعيد عطف عليه وعيد آخر في الآية الأولى ، فإن قوله : وإلى الله المصير معناه : مصيركم إلى الله ، والعذاب معد لديه فاستدركه في الآية الثانية بوعد ، وهو قوله تعالى : والله رءوف بالعباد ، والرأفة أشد من الرحمة . وقيل : من رأفته تحذيره .

55 - قوله : قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر . قدم في هذه السورة ذكر الكبر ، وأخر ذكر المرأة . وقال في سورة مريم : وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا فقدم ذكر المرأة ؛ لأن في مريم قد تقدم ذكر الكبر في قوله : وهن العظم مني ، وتأخر ذكر المرأة في قوله : وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا ، ثم أعاد ذكرها فأخر ذكر الكبر ليوافق عتيا ما بعده من الآيات وهي : سويا ، وعشيا ، و صبيا .

56 - قوله : قالت رب أنى يكون لي ولد . وفي مريم : قالت أنى يكون لي غلام ، لأن في هذه السورة تقدم ذكر المسيح ، وهو ولدها ، وفي مريم تقدم ذكر الغلام ، حيث قال : لأهب لك غلاما زكيا .

57 - قوله : فأنفخ فيه . وفي المائدة : فتنفخ فيها . قيل : الضمير في هذه السورة يعود إلى الطير . وقيل : [ ص: 90 ] إلى الطين . وقيل : إلى المهيإ . وقيل : إلى الكاف فإنه في معنى مثل ، وفي المائدة يعود إلى الهيئة . وهذا جواب التذكير والتأنيث ، لا جواب التخصيص ، وإنما الكلام وقع في التخصيص ، وهل يجوز أن يكون كل واحد منهما مكان الآخر أم لا ؟ فالجواب أن يقال : في هذه السورة إخبار قبل الفعل فوحده ، وفي المائدة خطاب من الله له يوم القيامة وقد تقدم من عيسى - عليه السلام - الفعل مرات ، والطير صالح للواحد وصالح للجميع .

58 - قوله : بإذن الله . ذكر في هذه الآية مرتين . وقال في المائدة : بإذني أربع مرات ؛ لأن ما في هذه السورة كلام عيسى ، فما يتصور أن يكون من فعل البشر أضافه إلى نفسه ، وهو : الخلق الذي معناه التقدير ، والنفخ الذي هو : إخراج الريح من الفم . وما يتصور إضافته إلى الله تعالى ( أضافه إليه ) وهو قوله : فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص بما يكون في طوق البشر ، فإن الأكمه عند بعض المفسرين : الأعمش ، وعند بعضهم : الأعشى ، وعند بعضهم : الذي يولد أعمى . وإحياء الموتى من فعل الله فأضافه إليه .

وما في المائدة من كلام الله - سبحانه وتعالى - فأضاف جميع ذلك إلى صنعه إظهارا لعجز البشر ، ولأن فعل العبد مخلوق لله تعالى .

وقيل : بإذن الله يعود إلى الأفعال الثلاثة ، وكذلك [ ص: 91 ] الثاني يعود إلى الثلاثة الأخرى .

59 - قوله : إن الله ربي وربكم ، وكذلك في مريم : ربي وربكم . وفي الزخرف في هذه القصة : إن الله هو ربي وربكم بزيادة " هو " .

قال الشيخ : إذا قلت : زيد هو قائم ، فيحتمل أن يكون تقديره : وعمر قائم . فإذا قلت : زيد هو القائم ، خصصت القيام به ، فهو كذلك في الآية ، وهذا مثاله ، لأن ( هو ) يذكر في مثل هذه المواضع إعلاما أن المبتدأ مقصور على هذا الخبر ، وهذا الخبر مقصور عليه دون غيره .

والذي في آل عمران وقع بعد عشر آيات من قصتها ، وليس كذلك ما في الزخرف ، فإنه ابتداء كلام منه ، فحسن التأكيد بقوله : " هو " ؛ ليصير المبتدأ مقصورا على الخبر المذكور في الآية ، وهو إثبات الربوبية ، ونفي الأبوة ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

60 - قوله : بأنا مسلمون في هذه السورة ، وفي المائدة : بأننا ؛ لأن ما في المائدة أول كلام الحواريين ، فجاء على الأصل ، وما في هذه السورة تكرار لكلامهم ، فجاز فيه التخفيف ؛ لأن التخفيف فرع ، والتكرار فرع ، والفرع بالفرع أولى .

61 - قوله : الحق من ربك فلا تكن في هذه السورة ، وفي البقرة : فلا تكونن ؛ لأن ما في هذه السورة جاء على الأصل ولم يكن فيها ما أوجب إدخال نون التوكيد في الكلمة ، بخلاف سورة البقرة ، فإن في أول القصة : فلنولينك قبلة ترضاها بنون التوكيد ، فأوجب الازدواج إدخال النون في الكلمة ، فيصير [ ص: 92 ] التقدير : فلنولينك قبلة ترضاها ، فلا تكونن من الممترين . والخطاب في الآيتين للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، والمراد به غيره .

62 - قوله : قل إن الهدى هدى الله في هذه السورة ، وفي البقرة : قل إن هدى الله هو الهدى ؛ لأن الهدى في هذه السورة هو الدين ، وقد تقدم في قوله : لمن تبع دينكم ، وهدى الله : الإسلام ، فكأنه قال بعد قولهم : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم . قل : إن الدين عند الله الإسلام كما سبق في أول السورة .

والذي في البقرة معناه : القبلة ؛ لأن الآية نزلت في تحويل القبلة ، وتقديره : قل : إن قبلة الله هي الكعبة .

63 - قوله : من آمن تبغونها عوجا ليس ههنا ( به ) ولا واو العطف ، وفي الأعراف : من آمن به وتبغونها بزيادة ( به ) وواو العطف ؛ لأن القياس : " آمن به " كما في الأعراف ، لكنها حذفت في هذه السورة موافقة لقوله : ومن كفر . فإن القياس أيضا : " كفر به " ، وقوله : تبغونها عوجا ههنا حال ، والواو لا تزداد مع الفعل إذا وقع حالا ، نحو قوله : ولا تمنن تستكثر ، و دابة الأرض تأكل منسأته ، وغير ذلك . وفي الأعراف عطف على الحال ، والحال قوله : توعدون ، و تصدون عطف عليه ، وكذلك تبغونها عوجا .

64 - قوله : وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم . ههنا بإثبات " لكم " ، وتأخير " به " ، وحذف " إن الله " . وفي الأنفال " 10 " بحذف " لكم " ، وتقديم " به " ، وإثبات إن الله ؛ لأن البشرى هنا للمخاطبين ، فبين وقال : لكم . وفي الأنفال قد تقدم [ ص: 93 ] لكم في قوله : فاستجاب لكم ، فاكتفى بذلك .

وقدم قلوبكم هنا ، وأخر " به " ازدواجا بين المخاطبين فقال : وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به .

وقدم " به " في الأنفال ازدواجا بين الغائبين فقال : وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم .

وحذف " إن الله " ههنا ؛ لأن ما في الأنفال قصة بدر ، وهي سابقة على ما في هذه السورة ، فإنها في قصة أحد ، وأخبر هناك بأن الله عزيز حكيم ، وجعله في هذه السورة صفة ؛ لأن الخبر قد سبق .

65 - قوله : ونعم أجر العاملين ، بزيادة الواو ؛ لأن الاتصال بما قبلها أكثر من غيرها ، وتقديره : ونعم أجر العاملين المغفرة والجنات والخلود .

66 - قوله : رسولا من أنفسهم بزيادة الأنفس ، وفي غيرها : رسولا منكم ؛ لأنه سبحانه من على المؤمنين [ ص: 94 ] به فجعله من أنفسهم ليكون موجب المنة أظهر ، وكذلك قوله : لقد جاءكم رسول من أنفسكم لما وصفه بقوله : عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم جعله من أنفسهم ليكون موجب الإجابة والإيمان أظهر وأبين .

67 - قوله : جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير ههنا بباء واحدة ، إلا في قراءة ابن عامر ، وفي فاطر : بالبينات وبالزبر وبالكتاب بثلاث باءات ، لأنه في هذه السورة وقع في كلام مبني على الاختصار ، وهو إقامة لفظ الماضي في الشرط مقام لفظ المستقبل ، ولفظ الماضي أخف ، وبني الفعل للمجهول فلا يحتاج إلى ذكر الفاعل ، وهو قوله : فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك ، لذلك حذفت الباءات ليوافق الأول في الاختصار ، بخلاف ما في فاطر ، فإن الشرط فيه بلفظ المستقبل ، والفاعل مذكور مع الفعل ، وهو قوله : وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم . ثم ذكر بعدها الباءات ليكون كله على نسق واحد .

68 - قوله : ثم مأواهم جهنم ههنا ، وفي غيرها : " ومأواهم جهنم " " 9 : 73 ، 95 و 66 : 9 " ؛ لأن ما قبلها في هذه السورة : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل أي : ( ذلك ) متاع ( في الدنيا ) قليل ، والقليل يدل على تراخ وإن صغر وقل ، وثم للتراخي فكان طبقا له ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث