الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فائدة :

إذا طلقها ثلاثا متفرقة بعد أن راجعها : طلقت ثلاثا بلا نزاع في المذهب . وعليه الأصحاب . منهم الشيخ تقي الدين رحمه الله . وإن طلقها ثلاثا مجموعة قبل رجعة واحدة : طلقت ثلاثا ، وإن لم ينوها . على الصحيح من المذهب . نص عليه مرارا . وعليه الأصحاب ، بل الأئمة الأربعة وأصحابهم في الجملة . وأوقع الشيخ تقي الدين رحمه الله من ثلاث مجموعة ، أو متفرقة ، قبل رجعة : طلقة واحدة . وقال : لا نعلم أحدا فرق بين الصورتين . وحكى عدم وقوع الطلاق الثلاث جملة . بل واحدة في المجموعة أو المتفرقة عن جده المجد ، وأنه كان يفتي به أحيانا سرا . ذكره عنه في الطبقات ; لأنه محجور عليه إذن . فلا يصح كالعقود المحرمة لحق الله تعالى . [ وظاهره : ولو وجب عليه فراقها ، لإمكان حصوله بخلع بعوض يعارض لفظ الطلاق ونيته ، فضلا عن حصوله بنفس طلقة واحدة أو طلقات ] وقال عن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إيقاع الثلاث : إنما جعله [ ص: 454 ] لإكثارهم منه ، فعاقبهم على الإكثار منه ، لما عصوا بجمع الثلاث . فيكون عقوبة من لم يتق الله ، من التعزير الذي يرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة ، كالزيادة على الأربعين في حد الخمر ، لما أكثر الناس منها وأظهروه : ساغت الزيادة عقوبة . انتهى .

[ واختاره الحلي وغيره من المالكية . لحديث صحيح في مسلم يقتضي أن المراد بالثلاث في ذلك ثلاث مرات ، لا أن المراد بذلك ثلاث تطليقات . فعليه : لو أراد به الإقرار لزمته الثلاث اتفاقا ، إن امتنع صدقه ، وإلا فظاهرا فقط ] . واختاره أيضا ابن القيم وغيره ، في الهدى وغيره ، وكثير من أتباعه . قال ابن المنذر : هو مذهب أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما كعطاء ، وطاوس ، وعمرو بن دينار نقله الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر في فتح الباري شرح البخاري . وحكى المصنف عن عطاء ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، وأبي الشعثاء ، وعمرو بن دينار ، أنهما كانوا يقولون : من طلق البكر ثلاثا ، فهي واحدة . وقال القرطبي في تفسيره على قوله تعالى { الطلاق مرتان } اتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الثلاث . وهو قول جمهور السلف . وشذ طاوس ، وبعض أهل الظاهر ، فذهبوا إلى أن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة : يقع واحدة . ويروى هذا عن محمد بن إسحاق ، والحجاج بن أرطاة . [ ص: 455 ] وقال بعد ذلك : ولا فرق بين أن يوقع ثلاثا مجتمعة في كلمة ، أو متفرقة في كلمات ثلاث . وقال بعد ذلك : ذكر محمد بن أحمد بن مغيث في وثائقه : أن الطلاق ينقسم . إلى طلاق سنة ، وطلاق بدعة . فطلاق البدعة : أن يطلقها في حيض ، أو ثلاثا في كلمة واحدة . فإن فعل لزمه الطلاق . ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق ؟ فقال علي ، وابن مسعود رضي الله عنهما : يلزمه طلقة واحدة . وقاله ابن عباس رضي الله عنهما . وقال : قوله " ثلاثا " لا معنى له ، لأنه لم يطلق ثلاث مرات . وقاله الزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما . ورويناه عن ابن وضاح . وقال به من شيوخ قرطبة : ابن زنباع ، ومحمد بن بقي بن مخلد ، ومحمد بن عبد السلام الخشني ، فقيه عصره ، وأصبغ بن الحباب ، وجماعة سواهم . وقد يخرج بقياس من غير ما مسألة من المدونة ما يدل على ذلك وذكره وعلل ذلك بتعاليل جيدة . انتهى .

فوقوع الواحدة في الطلاق الثلاث الذي ذكرناه هنا لكونه طلاق بدعة : لا لكون الثلاث واحدة .

التالي السابق


الخدمات العلمية